اعتقال الأطباء والصيادلة: "رخصة للقتل" أم رخصة لوصم مجتمع بأكمله؟

اعتقال الأطباء والصيادلة: "رخصة للقتل" أم رخصة لوصم مجتمع بأكمله؟

عمر دلاشة

طالعتنا الوحدة المركزية للتحقيقات في شرطة إسرائيل، صباح اليوم الأحد، بـ"كشف عظيم"، وبيان عنونته تتويجا لـلـ"إنجاز العظيم" الذي حققته بـ"رخصة للقتل"، وهي قضية اعتقال 40 شخصا بشبهات الحصول على شهادات مزيفة في الطب والصيدلة وفقا لبيان الشرطة.

عمر دلاشة

ولنبحر معا في بيان الشرطة المذكور، ومن يتمعن قليلا في البيان والعنوان، يدرك بما لا يدعو للشك أن الشرطة استهدفت سرقة الأضواء الإعلامية، عبر اختيار عنوان أدان بصورة فعلية، إعلاميا وشعبيا، 40 شخصًا، وهم لا زالوا في مرحلة الشبهات فقط، ومنهم أطباء يزاولون المهنة في أفضل مستشفيات البلاد.

ولا نقلل هنا من شأن الشبهات الموجهة لهؤلاء الأشخاص، ولكن لماذا تتواصل التحقيقات لمدة عام ونصف، بينما يزاول من وصفهم بيان الشرطة بحاملي "رخصة للقتل"، مهنة الطب في مستشفيات مختلفة، دون حتى إيقافهم عن العمل، ألم يكن جديرا بالشرطة أن توقف هؤلاء عن العمل أولا؟ كونهم، ووفقا لادعاء الشرطة يحملون "رخصة للقتل"؛ ألا يثير هذا شبهات حول نهج الشرطة هذا؟! أليست حياة هؤلاء المرضى الذين خضعوا للعلاج على أيدي هؤلاء الأطباء، هامة بما يكفي للشرطة لإيقاف طبيب يحمل "رخصة للقتل"؟

وصم المجتمع العربي

ثم لننتقل معا في بيان الشرطة، الذي يثبت بنفسه أن وراء الأكمة ما وراءها، عندما يورد لنا البيان أن المعتقلين، من مناطق مختلفة في البلاد، ويتابع من اللقية في الجنوب وحتى مجدل شمس في الشمال، ولم تكتف الشرطة بالإشارة من جنوب البلاد إلى شمالها، وإنما حددت بلدتين عربيتين تحديدا، وذلك في إطار محاولة وصم مجتمع كامل بأطبائه وصيادلته، وأدانتهم مسبقا بتزييف "رخصة" لممارسة "القتل"، وأطبائنا أرفع وأسمى بكثير من عار هذه الوصمة.

ثم تنظم الشرطة حملة اعتقالات جماعية، دون أن يتم التحقيق مع المعتقلين بشكل أولي على الأقل، ودون استدعاء أي من المعتقلين للتحقيق الأولي ولو من باب منحه الفرصة لتبديد الشبهات حوله، فكيف يمكن تبييض سمعة طبيب اعتقل وسط زملائه من المستشفى الذي يعمل فيه بشبهة التزييف.

وفي حال ثبت زيف ادعاء الشرطة، ألا يستحق المشتبه البراءة ما لم تثبت إدانته؟ ألا يستحق الإنسان، وفقا للقانون، حق الحفاظ على السمعة الطيبة؟ ألم تسقط الشرطة كل هذه الحقوق عبر هذه الحملة التي توجتها بمواد مصورة وادعاءات بالبيانات الراسخة، وإدانتهم حتى من دون منحهم فرصة الدفاع عن أنفسهم؟

قضية السلاح ضمن محاولة الوصم ذاتها

يورد بيان الشرطة، أنه وخلال الحملة، ضبط والد أحد المعتقلين ويحدد أنه من الطيرة (التشديد على هويته العربية) وهو يخفي أسلحة غير قانونية، ثم يتابع البيان بعدها مباشرة أن أحد أطباء الأسنان المعتقلين صاحب عيادة أسنان مستقلة، سبق وأدين وسجن بملف أمني (أيضا المقصود قوله هو إنه عربي شكل خطرا على أمن إسرائيل)، ولا أستخف بقضية حيازة السلاح التي نعتبرها الأخطر على المجتمع العربي، ولكن لماذا يدرج موضوع اعتقال مشتبه بحيازة سلاح لا علاقة له بالمعتقلين سوى بصلة القرابة بأحدهم ضمن موضوع شبهات تزييف شهادات طب وصيدلة، ألا يكشف هذا النهج عن نوايا غير سوية؟

الوشاية المجهولة

كل متابع لقضايا التعليم في الخارج، يعلم بتنافس شديد وغير نزيه أحيانا، بين الشركات التي تقدم خدمات تسجيل ومتابعة شؤون الطلاب، وكثيرا ما كانت بعض هذه الشركات وراء وشايات إلى وزارة الصحة عن نشاط شركات أخرى منافسة، أو عن جامعات بعينها، بغية نزع الاعتراف عنها، أما أن تُعتمد الوشاية كمصدر موثوق لدى الشرطة فهو أمر غريب يستدعي الفحص والتدقيق، ثم الاستدلال على رسوخ الشبهات عبر إعلانات هنا وهناك عن التعليم في الخارج، وكأنها أدلة دامغة، فهذا النهج يذكرني بالأدلة التي قدمتها الشرطة عن ارتباط المربي الشهيد المرحوم يعقوب أبو القيعان، بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، عبر صحف وجدت في بيته احتوت على أخبار تتعلق بـ"داعش"، لتبرير جريمتها، والتي تكشّف بطلانها جميعا بل وكشفت كذب جهاز الشرطة بأكمله.

أين مسؤولية وزارة الصحة؟

من يتابع القضية، يكتشف أن بعض المعتقلين صادقوا على شهاداتهم في السفارة الإسرائيلية، وقدمت أوراقهم الرسمية التي تمت المصادقة عليها، بواسطة كاتب العدل إلى وزارة الصحة، وكثر من بينهم اجتاز امتحان مزاولة مهنة الطب، وبعضهم يمارس المهنة منذ عام ونصف في مستشفيات معروفة، فأين مسؤولية وزارة الصحة؟ أليس من الجدير أن يحاسب أيضا المسؤولين في وزارة الصحة عن هذا الخلل إن وجد؟ لماذا سلط الضوء فقط على المعتقلين أنفسهم دون الإشارة بشيء عن دور وزارة الصحة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تستدعي التفكير مليا بمجمل هذه القضية، ولا يجدر التهاون مع مستوى الشبهات فهي خطيرة إن صحت، غير أن أسلوب معالجة الشرطة للقضية يشي بنوايا غير سوية ألخصها في الفقرة التالية.

50 جريمة قتل في المجتمع العربي هذا العام

جاءت حملة الشرطة هذه في فترة عصيبة على المجتمع العربي، الذي يعاني من موجة عنف اجتماعي، وسنة دامية أوقعت 50 قتيلا على الأقل حتى الآن، ولم تكشف الشرطة عن مرتكبي جل هذه الجرائم، لا بل تكتمت على كل هذه الجرائم بإصدار أوامر تحظر النشر، وفي الوقت الذي يئن فيه المجتمع العربي من جرائم السلاح وانتشاره الواسع، وسط مطالبة رسمية وشعبية للشرطة بجمع السلاح المرخص وغير المرخص من المجتمع العربي، ولا نجد لدى الشرطة خطة منهجية واحدة تفضي إلى تقليص الجريمة بشكل فعلي في المجتمع العربي، أو خطة مدروسة لجمع السلاح.

كل ما ذكر أعلاه يضع الشرطة في موضع الاتهام، وسط حالة شعبية غاضبة من أحداث العنف والجريمة، وقد يكون مهربا الشرطة من دائرة الاتهام عبر فقاعة إعلامية ستشغلنا على الأقل لأيام وأيام، فهي تطال، كما زعمت الشرطة، كافة المجتمع العربي من اللقية في الجنوب إلى مجدل شمس في الجولان المحتل.

ولا أدعو هنا إلى عدم تناول القضية إعلاميا، بل إلى التمحيص في بيان الشرطة المذكور والتحقيق فيه وليس نسخه ولصقه بتسليم تام.