التهديد باغتيال محمود عباس!

التهديد باغتيال محمود عباس!

عوض عبد الفتاح

ليس من السهل على المواطن العادي فهم التعقيدات التي طرأت على بنية المواجهة في فلسطين، خصوصًا بعد اتفاقيات أوسلو والمعايير التي أفرزتها في الحكم على مواقف طرفي الصراع، وتحديدًا الرسميين. ففي وقت سابق، كانت أوساط الحكم في نظام الأبرتهايد الكولونيالي الإسرائيلي تتبنى تصنيفات مثل معتدل ومتطرف في تعاملها مع الساحة الفلسطينية؛ كما كانت مواقف الحركة الوطنية الفلسطينية واضحة تجاه طبيعة الوجود الصهيوني في فلسطين، باعتباره وجودا كولونياليا غير شرعي، في حين بات هذا الوجود ، حسب "عملية السلام"، أمرا واقعا ولا بد من التعايش معه من دون مطالبته الاعتراف بجريمته، ونزع الطابع الكولونيالي والعنصري عنه. غير أن تكشف الخديعة الإسرائيلية مع اقتراب نهاية المرحلة الأولى من اتفاقيات أوسلو في نهاية العام 2000، وانفجار الانتفاضة الثانية تبدلت الحالة السياسة في إسرائيل، فانتهت إلى اغتيال قائد الثورة الفلسطينية، ياسر عرفات، ودخلت دولة الاحتلال بما يسميه المحللون بإسرائيل الثانية؛ وهذه الأخيرة يمينية متطرفة، ولم تعد تأبه بالزعم القديم بأنها دولة ديمقراطية، وباتت أكثر تأكيدا على يهوديتها التي  جرى تكريسها بقوانين وتشريعات، أظهرتها لمن كان جاهلا أو متجاهلا، كياناً استعماريا أثنيا سافرا، وأكثر عدوانية وغطرسة. 

وفِي عرف إسرائيل الجديدة، بات جميع الشعب الفلسطيني متطرفا، وما عاد اليمين واليمين المتطرف، الذي أمسك بإسرائيل التوراتية، يميز بين أطياف الشعب الفلسطيني.

بناءً على ذلك، فإن تهديدات المستوطنين باغتيال رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وما سبقها من تحريض من أوساط الائتلاف الحكومي ورئيسه، بنيامين نتنياهو، ليست مؤشرا على ثورية رئيس السلطة الفلسطينية، بل هي مؤشر على حجم التحول الأيديولوجي والسياسي والفكري في بنية المجتمع الاستعماري، وفي فهمه لذاته، وفي فهمه للحق الفلسطيني؛ وهو تحول متسارع نحو إغلاق ملف الحقوق الفلسطينية، والاستعداد للإقدام على مخططات أكثر خطورة ضد أصحاب الوطن، فيما لو واصلوا رفضهم للواقع الاستعماري، وأصروا حتى على جزء يسير من حقهم.

لقد جاء أبو مازن إلى رئاسة السلطة الفلسطينية، تنصيبا دوليا وإقليميا وإسرائيليا، باعتباره يحمل نهجا مختلفا عن نهج ياسر عرفات في مقاربة النضال الفلسطيني، ويؤمن بالحل السلمي وبالوسائل السلمية المختزلة في المفاوضات، من دون المقاومة الشعبية المدنية غير المسلحة. وفي نهجه هذا، فاق توقعات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في مجال التنسيق الأمني، الذي تعتبره حتى اليوم، العمود الفقري في الحفاظ على أمن المستوطنات وقوات الاحتلال. وتفاخر أبو مازن في العديد من التصريحات بذلك، التي اعتبر فيها مرارا وتكرارا التنسيق الأمني مقدسا. كان يرى أبو مازن أن هذا التنسيق وإثبات الأهلية في إدارة مؤسسات السلطة، شرطا للحصول على دولة مستقلة بحدود الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أثبتت الأيام، بل السنين الطويلة، كارثية هذه المقاربة الغريبة عن قاموس حركات التحرر الوطني، بما فيها حركة التحرر الوطني الفلسطيني؛ إذ لم يحصل في تاريخ أي من هذه الحركات، سوى قيادة الحركة التحرر الفلسطينية، أن قبلت بأن تكون حارسا لجلادها ومستعمرها انتظارا لعطفه. إنه أيضا قصور مريع في فهم طبيعة المشروع الصهيوني، ومكوناته الأيديولوجية العدوانية الراسخة. 

كان الشهيد ياسر عرفات، رغم كارثية إدارته للثورة والانتفاضة الثانية، أكثر فهمًا لطبيعة هذا المشروع، والدليل أنه ظل محتفظا بخيار المقاومة رغم توقيعه على أوسلو.

هذه المدرسة المتهافتة، التي سار عليها أبو مازن، تتصدع وتفقد مصداقيتها لدى المزيد ممن سايروها داخل حركة فتح وخارجها. غير أن ردة فعله الدبلوماسية ظلت مترددة وبطيئة وغير مسنودة بمقاومة شعبية، ولا بوحدة وطنية، معولا على تغير ما في الطرف الآخر، أو منتظرا رئيسا جديدا في الولايات المتحدة الأميركية، يكون أقل انحيازا لإسرائيل. وإذا بكل الأوهام تنهار مع قدوم تاجر أهوج يعلن صراحة تصفية القضية الفلسطينية، هو دونالد ترامب، مستجيبا بالكامل مع مخططات نظام المستوطنين الكولونيالي.
والكارثة تكمن في أن هذا النهج منح الزمن الكافي لإسرائيل، لاستكمال مشروعها الاستيطاني الاستعماري في القدس والضفة الغربية، بحيث باتت كل فلسطين تحت نظام استعماري وفصل عنصري أشد عدوانية، ورفضا لأي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية.

ويستشف مما يجري في كواليس السلطة الفلسطينية، الشعور بمزيد من خيبات الأمل والإحباط والتخبط، إزاء الانكشاف الكامل للمشهد الإسرائيلي الحقيقي، والدعم الأميركي غير المحدود. وتتراوح ردود الأفعال بين إطلاق مبادرات لحراكات شعبية في أماكن محدودة ومواصلة اللجوء إلى المؤسسات الدولية، في حين ينتظر الفلسطينيون، في هذا الظرف العصيب حيث تظهر أيضا بوادر انفجار شعبي، الإقدام على خطوة وحدوية جذرية وحاسمة، تنقل شعب فلسطين من كارثة الانقسام وتضعه على سكة المواجهة من أجل تحرره وحريته.