انتخابات مبكرة: الأزمة عامة وطامة

انتخابات مبكرة: الأزمة عامة وطامة

سهيل كيوان 

السلطة بقيادة بنيامين نتنياهو مأزومة، فهو مضطرب بسبب وضعه القضائي، ولأنه سد الأفق تمامًا مع الفلسطينيين، ولا يجد من يتنازل أكثر مما جرى حتى الآن، وحتى الأنظمة العربية المهرولة ليست في موقع يسمح لها بمزيد من الهرولة، وخصوصًا عندما يصل الأمر إلى قضية القدس. كذلك فإنه لم ولن يستطيع التخلص من قطاع غزة، وفي الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل ما يجري فيه إلى الأبد، فهو برميل قابل للانفجار في كل لحظة.

كذلك فإن الفلسطينيين مأزمون أكثر، سواء كانوا في رام الله أو في قطاع غزة، أو في داخل مناطق 48، وفي الشتات.

في رام الله بعد تنسيق أمني طويل، لم يحصدوا سوى النكران، ولم يكف نتنياهو عن التحريض عليهم، واتهامهم في دعم "الإرهاب" وعدم الإخلاص في التوجه السلمي. كذلك فإن الوضع مع قطاع غزة في حالة تأزم، فلا مصالحة جرت، ولا هناك ما يفيد بأن الناس في قطاع غزة ممكن لهم أن يغيّروا الواقع كما تتمناه سلطة رام الله، رغبوا أم لم يرغبوا في ذلك، والحصار الطويل زاد من المعاناة والفقر والإحباط.

كذلك فإن المعارضة الإسرائيلية على "يسار" نتنياهو مأزومة، مثل "المعسكر الصهيوني" و"ييش عتيد" وغيرها، لم تستطع تقديم بديل عن الليكود ونتنياهو، فهي لم تطرح برنامجًا واضحًا ومقنعًا للجمهور، كذلك اليمين على يمين نتنياهو لا يحظى بالشعبية المأمولة بالنسبة له، رغم شعبويته ومزاودته على شعبوية نتنياهو. كذلك حال الحزب الذي قام على أساس اجتماعي (كولانو) بقيادة موشيه كحلون، فهو في تراجع مستمر، لأنه لم ينفذ تعهّداته، ما يجعل الليكود ممثلا بنتنياهو المرشح الأقوى مرة أخرى لتشكيل الحكومة القادمة، إلا إذا وقعت أحداث دراماتيكية خلال المئة يوم القادمة، مثل تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو بتلقي الرشوة، الأمر الذي يرغمه على التنازل، ويمنعه من خوض الانتخابات، وهذا مستبعد في هذه الفترة القريبة. 

حزب ميرتس، هو الوحيد الذي ممكن أن نسميه يسارًا في الواقع الإسرائيلي، ويحمل أفكارًا ومبادئ مختلفة، مرنة قابلة للحوار، إلا أن جمهوره قليل جدًا رغم تقدمه الطفيف في الاستبيانات. 

العرب مأزومون كذلك، وكما هو معروف، لن يكونوا جزءا من اللعبة السياسية في تشكيل الحكومة، ولن يقبل أي حزب أن يتحالف مع القائمة المشتركة وأن يعتمد على أصواتها لتشكيل حكومة، لأن الشارع اليهودي غير مستعد لشراكة من هذا النوع، وخصوصًا بعد "قانون القومية" العنصري، وسواء بقيت المشتركة موحدة كما هي، أو انقسمت إلى قائمتين، أو أقيمت قائمة عربية جديدة أو عربية يهودية أخرى، فإن النتيجة واحدة.

هذا يعني أن الانتخابات لا تحمل أي بشرى للفلسطينيين، ولا للإسرائيليين، وما نحن عليه الآن، سوف نراه عائدًا في نيسان/ أبريل المقبل، ربما بطبعة معدّلة بصورة طفيفة، من حيث تشكيل الوزارات. هذا يعني أن اللامبالاة هي سيدة الموقف. 

في هذا الظرف تحمل الجماهير العربية استياءً من أداء المشتركة، خصوصًا بعد ما جرى في قضية التناوب، وما رافقها من مناكفات، هبطت بها من قائمة كفاحية إلى قائمة مقاعد عادية، ومن المتوقع أن يطفو الخلاف على تقسيم المقاعد من جديد بين مركباتها، هذا سيضعها في امتحان صعب جدًا، لأن هذا الخلاف سينفّر الكثيرين من المصوّتين، وخصوصا في أجواء اللامبالاة الحالية. 

أما الطرح الذي يقول بإنشاء قائمة تحت تسمية كرامة ومساواة، مع احترام النوايا والشخصيات، فإنه ليس جديدًا في جوهره، فمركّبات المشتركة تطرح نفس الشعار (كرامة وخدمات)، لكن في الوقت ذاته، من حق من هم خارج الأطر الحزبية أن يكونوا ممثلين في المشتركة، بمعنى أن هناك فئات أو شريحة غير حزبية لها حق بأن تمثّل، وممنوع اقتصار المشتركة على الأحزاب السياسية، لأن هذا سيمنح ذريعة لشريحة من غير الحزبيين لإقامة قائمة جديدة، ويبقى السؤال كيف يتم اختيار ممثلين عن اللاحزبيين، ومن الذي يختارهم؟

في المقابل، فإن التنظيمات الحزبية بدأت تفقد من قوتها لصالح الحراكات الشعبية، التي تعتمد أكثر على وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت مجموعات الواتساب تمارس جانبا مهمّا مما كان يفعله الحزب، فقد باتت حلقة الواتساب قادرة على نقاش قضية ما، كذلك فإن معظم الدعوات للمشاركة في نشاط سياسي أو اجتماعي وثقافي، صارت تجري من خلال واتساب أو فيسبوك وتويتر، دونما حاجة لتوزيع دعوات ورقية، إضافة إلى أن قادة أحزاب ودول يغرّدون على حساباتهم، ولهم ملايين المتابعين الذين يتفاعلون معهم. 

القائمة المشتركة مثل جمهورها في أزمة، فهي تدرك أن تأثيرها على السياسة الإسرائيلية، وخصوصًا في الجانب القومي، يكاد لا يذكر، أما البقاء والتركيز على المطالب الخدماتية، فهذا يفقدها ميزتها كممثلة لأقلية لها مطالبها القومية.

أما دعوة المقاطعة للانتخابات، فمن المؤكد أن أكثر مركبات المشتركة لن توافق عليها، وهذا يعني أن من يدعو إلى المقاطعة، سيجد نفسه من دون تأثير يذكر، وقرار كهذا يجب أن يكون قرارًا جامعًا وجماعيا من كافة القوى أو معظمها على الأقل، لأنه قرار مفصلي وتاريخي، سيكون له ما بعده، وسيشكل انعطافة تاريخية في حياة الفلسطينيين، وهذا باعتقادي ما زال بعيدًا، ولن توافق الأحزاب كلها عليه، حراك كهذا لن يأتي إلا من خارج الحياة الحزبية بقيادة قوى وطنية مخلصة مؤمنة به، عندما تتهيأ الظروف لمثل هذه الدعوة.  

من ناحية أخرى، فإنه من المتوقع نشوء خلاف حول تقسيم المقاعد، وهذا ما يلوّح به أحد مركبات المشتركة، الذي يرى بنفسه أقوى وأكثر شعبية من غيره. وهنا يجب التوقف، إذا كان هذا الطرف يظن أنه أقوى ويستحق أكثر، إذًا فليخض الانتخابات بقائمة ثانية، وليأخذ معه بعض الشخصيات ذات التأثير، بدلا من البقاء داخل المشتركة في حالة تهديد وتوتّر. هذا يوفر على الجميع المناكفات التي ستنفّر الجمهور، وهذا ربما يمنح الجمهور فرصة لأن يقرر نوع الظهور البرلماني الذي يريده.