المراهنات القاتلة

المراهنات القاتلة

عوض عبد الفتاح

سارت أنظمة العرب والسلطة الفلسطينية منذ عشرين عاما خلف أوهام قاتلة، تمثلت بالمراهنة على تغيير أو زحزحة في المشهد الإسرائيلي لصالح عملية سلام جدية، بعد كل انتخابات عامة في الكيان الإسرائيلي. كما ينطبق التعلق بالأوهام أيضا على غالبية الأحزاب العربية في الداخل، وقد ظهرت تخصصات وأقيمت مراكز أبحاث، تبحث وتحلل الشأن الإسرائيلي ومحاولة استشراف مآلات السياسات والتحولات في إسرائيل.

لا يكمن الخطأ في متابعة ورصد التطورات الحاصلة في كيان يغتصب الوطن الفلسطيني، ويهدد المحيط العربي باستمرار، ويشن الحروب عليها وينتهك سيادتها، بلا رادع حقيقي؛ بل هذا واجب، ومن المفروض أن يكون جزءًا من عملية تشخيص طبيعة الخطر القومي، ومن شروط التحضير للرد عليه، خصوصًا إذا كانت هناك قيادات مستعدة ومؤهلة لفهم هذا التشخيص، وبناء سياسات صحيحة استنادا إليه.

إنما يكمن الخطأ في أمرين: الأمر الأول، أن لهاث غالبية الأطراف العربية والسلطة الفلسطينية خلف أوهام التغيير داخل الحكم والمجتمع الإسرائيلي عشية كل انتخابات، يعود إلى العجز الذاتي الفاضح وغياب الإرادة في المواجهة، حتى الدبلوماسية والسياسية مثل المقاطعة ووقف التطبيع، والتحريض المنهجي على نظام الأبرتهايد في العالم، وبناء التحالفات الرسمية والشعبية لمحاصرته في الساحة العالمية. بكلمات أخرى، إن هذه المقاربة المشينة كرّست الاتكالية والهروب والانهزامية، بل أنتجت تشوهات ثقافية وأخلاقية في التعامل مع الاستعمار، باعتباره عملا عنيفا متوحشا، وغير إنساني.

الأمر الثاني، هو التعامل مع البنى الفوقية لنظام الأبرتهايد من دون رؤية البعد السوسيولوجي، المتعلق في المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي يمر بتحولات متسارعة نحو المزيد من التوحش والكراهية والعنصرية والشره الاستيطاني. أي أن واقع مجتمع المستوطنين الصهيوني، من على طرفي ما يسمى الخط الأخضر، متطابق مع توجهات الحكم الإسرائيلي، أي مع الغالبية الساحقة من أحزابه، بما فيها أحزاب المعارضة. وبالتالي، لم يكن  ليتمكن بنيامين نتنياهو من مواصلة الحكم منذ العام 2009 ، من دون هذه التحولات المجتمعية التي لم تحصل من تلقاء نفسها، بل بسبب تعبئة قام ويقوم بها لاعبون من اليمين المتطرف، الديني والعلماني، وفي مقدمتهم نتنياهو نفسه.

وقد تصادمتُ مع هذا التوجه شخصيا في انتخابات عام 2015، من خلال اتصال بادر إليه أحد رجال سلطة رام لله، الذي توجه إلي كأمين عام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي آنذاك، بقبول فكرة عقد اتفاقية فائض أصوات ما بين القائمة العربية المشتركة وحزب ميرتس، لاعتقاده أن ذلك يساعد على فوز "المعسكر الصهيوني"، الذي في رأي سلطة رام الله هو أسهل للتفاوض حول الحل النهائي. 

 واقع المشهد الإسرائيلي عشية انتخابات العام 2019، ليس مختلفا عما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة، بل إنه أسوأ بكثير وأكثر عدوانية وتوحشا وخطرا على الشعب الفلسطيني، وعلى محيطه العربي، خصوصًا الجبهة الشمالية.

والحقيقة، أن غالبية أطراف المشتركة ورؤساء بلديات من الداخل، وهم بتنسيق مع سلطة رام الله، كانوا قد مارسوا الضغط الشديد على قيادات التجمع، وعلي شخصيا بشكل خاص، لقبول الفكرة.

ويمكن إيجاز شرح أضرار القراءة الخاطئة للمشهد الإسرائيلي، وكذلك عدم فهم أضرار ذلك على هوية الفلسطينيين داخل مناطق 48، كالتالي: 

شكل إقامة القائمة المشتركة آنذاك، أهم خطوة يقوم بها الفلسطينيون على صعيد السلوك الانتخابي، ليس لكون هذه الخطوة تزيد التمثيل العربي في الكنيست، بل في الأساس لأنها تنطوي على ارتقاء في السلوك الجماعي، لجزء من شعب محتل، تحول إلى أقلية قومية في وطنه، وهي مضطهدة ومسلوبة ومحاصرة. وقد تمت هذه الخطوة رغم كل محاولات التخريب والنزق الصبياني التي قام بها أحمد طيبي ويكررها الآن؛ وأيضا رغم معارضة أطراف في الحزب الشيوعي والجبهة وخاصة سكرتير الجبهة سابقا وعضو الكنيست حاليا، أيمن عودة.

لقد كان من شأن فرط اتفاقية فائض الأصوات مع حزب ميرتس، أن يفرط أحد أهم الإنجازات التاريخية، في ذلك الحين، التي تحققها الأحزاب الوطنية ذات التوجه بتنظيم العرب قوميا. ولم يكن أيضًا ليؤدي ذلك إلى زيادة الفرص لفوز "المعسكر الصهيوني"، الذي لم نتعامل معه في التجمع، كتيار قومي وطني، كإطار مختلف عن معسكر الليكود واليمين. 

لم تعد القائمة المشتركة في نظري ذات أهمية خاصة، بعد أن تم إجهاض ما كان يجب أن تحمله في أحشائها، من الانتقال إلى مرحلة تنظيم الفلسطينيين في الداخل وبناء مؤسساتهم القومية، إما بسبب حسابات فئوية وشخصية ضيقة، أو بسبب عجز قوى أخرى عن التطور سياسيا، وفهم مقومات المواجهة مع نظام عنصري سافر، واصل ويواصل ممارسة الاستعمار الداخلي. بل في نظري، استنفذ التمثيل العربي في الكنيست نفسه، خاصة في ظل "قانون القومية". 

إن واقع المشهد الإسرائيلي عشية انتخابات العام 2019، ليس مختلفا عما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة، بل إنه أسوأ بكثير وأكثر عدوانية وتوحشا وخطرا على الشعب الفلسطيني، وعلى محيطه العربي، خصوصًا الجبهة الشمالية. فقد تماهت المعسكرات الصهيونية الأساسية، مع الرفض الصريح لدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، ومع ترسيخ يهودية الدولة وبنيتها الكولونيالية. وهي، أي المعسكرات تلك، لا ترى غالبيتها في الأفق حلا سياسيا للقضية الفلسطينية، وبالتالي سيكون الصراع مع الفلسطينيين غائبا أو مهمشا في برامجها أو حملاتها الانتخابية، لأن أحزاب اليسار الصهيوني والوسط ويمين الوسط، اختزلت معركتها في السعي لإسقاط نتنياهو.

استنادًا إلى ذلك، لا يبقى أمام الفلسطينيين في إسرائيل إلا بناء الذات الجمعية وتحصين قوته، عبر التنظيم وعبر الخطاب السياسي العقائدي الصلب والمتماسك، الذي يشحن الناس ويعزز فيهم ثقافة النضال والتضحية والعطاء، وهي قيم أخلاقية عليا باتت ضرورة وجودية لمواجهة العدوانية الصهيونية، والانتهازية الفردية الداخلية. وهذا بطبيعة الحال ينطبق على أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية المنقسمة. أما أنظمة العرب المتهالكة، فلا أمل يرجى منها.

يجد شعب فلسطين في وطنه التاريخي نفسه أمام مسؤولية كبرى، وهي مواصلة إبقاء شعلة المواجهة مع الصهيونية مشتعلة.