عن القتل والفقر والطلاق

عن القتل والفقر والطلاق

رامي منصور

أظهر تقرير نشره موقع "عرب 48" مؤخرا، أن نسبة الطلاق المسجلة في المحاكم الشرعية في البلاد بلغت 40% من عقود الزواج وعقد القران المسجلة في العام الماضي، فيما بيّنت المعطيات الرسمية أن نسبة الفقر في أوساط العرب بلغت قرابة 47% في العام 2016، ونحو 60% من الأطفال العرب فقراء (19.6% من أطفال اليهود) ونحو 52% من المسنين العرب فقراء (13.7% عند المسنين اليهود).

أما فيما يخصُّ جرائم القتل في المجتمع العربي، فقد راح ضحيّتها منذ العام 2000 حتى العام الماضي أكثر من 1265 ضحية.  أما صحة المجتمع، فيبدو أنها في تدهور بحسب الباحث محمد الشيخ أحمد، إذ وصل معدل الإصابة بالأمراض المزمنة في العقد الأخير، 14.8% مقارنة بـ10.6% في العام 2007.

على الجهة الأخرى، شهدت نسب التعليم ارتفاعا كبيرا، فقد بلغت نسبة الأفراد الحاصلين على شهادة كلية أو أقل من شهادة جامعية (بكالوريوس) 3.3%، بحسب الباحث الشيخ أحمد، وبلغت نسبة أولئك الحاملين شهادة بكالوريوس فأعلى نحو 9.1 %، في حين وصلت في العام 2008 إلى 7.5% في المعدل.

تُظهر هذه المعطيات أمرًا مقلقًا، ففي موازاة عملية التحديث في المجتمع العربي وارتفاع نسب التعليم الأكاديمي، يشهد المجتمع خرابا وانهيارا قِيَميًّا حوّل البلدات العربية إلى مكان لا يطيب العيش فيه، بسبب العنف والقتل والفقر والاكتظاظ. وعلى الرغم من اتساع الطبقة الوسطى في ظل تحسن الأوضاع الاقتصادية والتعليمية لشريحة الشباب، لم ينعكس ذلك على مقومات الظروف المعيشية الأساسية التي لا تبدأ ولا تنتهي في البنى التحتية ولا في حجم المسكن، بل في أمور أساسية مثل مستوى المدارس والمقومات الاقتصادية مثل أماكن التشغيل المتطورة والمتاحة.

ليس اكتشافا أن المجتمع العربي مرَّ بعملية تحديث قسرية عبر البوابة الإسرائيلية أو عبر المستعمِر، وأن هذا التحديث لم يكن طبيعيا كما في المجتمعات الغربية أو حتى العربية المجاورة، بل إنه تحديث قسري عشوائي في جوانب عديدة، غير ناتج عن تخطيط طويل المدى أو حتى قصير المدى، بل برغبة السلطة الإسرائيلية المستعمرة ملاءمة المجتمع العربي للتطورات السريعة التي مر بها المجتمع الإسرائيلي. وهذا التحديث لم ينتج مقومات مجتمعية أساسية مثل الجامعة والمصنع والصحافة والمسرح ومراكز الأبحاث والبنى التحتية الاقتصادية، بل بالعكس جلب دمارا لمقومات المجتمع الأصلية، سواء لجهة شكل الأسرة أو البلدة أو سلك التربية وإفراغه من قيم الانتماء والوطنية، دون أن يُقدّم بديلا حداثيا حقيقيا.

هذه الحداثة القسرية أتت على كل شيء إيجابي في المجتمع، حتى لو كانت تقليدية، لكنها شوّهت المجتمع وغطت هذا التشوه بارتفاع نسب التعليم الأكاديمي وتحسن الأوضاع الاقتصادية لشرائح شابة، لكنها في الوقت نفسه عززت الفقر والبطالة بسبب مصادرة الأراضي وتدمير الزراعة وعدم إنشاء مناطق تشغيل في البلدات العربية، أي تحولت نسب التعليم العالية إلى خزانٍ للأيادي العاملة التي تحتاجها السوق الإسرائيلية، سواء المهن الطبية أو الهندسة وغيرها.

هذا الحجم من التشوّه؛ ارتفاع نسب التعليم في موازاة ارتفاع نسب الفقر، وتحسن الأوضاع الاقتصادية مع تراجع الأوضاع المعيشية واستفحال الأمراض المزمنة، وتفكك الأسر ونسب الطلاق المرتفعة، والعنف الموجه إلى الداخل، لا يمكن مواجهته دون تخطيط مجتمعي بعيد المدى.

هذا التخطيط المجتمعي يجب ألا ننتظره من المؤسسة الإسرائيلية المستعمِرة، لأن تخطيطها يكون بهدف سدِّ احتياجاتها الاقتصادية والسياسية وإحكام السيطرة على العرب من خلال تفكيك المجتمع.

التخطيط يكون من خلال مجلس تخطيط مجتمعي وطني يتشكل من خبراء بعيدا عن المؤتمرات المملة والاستنتاجات المتسرعة السطحية، بل من خلال دراسة عميقة تضع نصب أعينها إنتاج عملية تحديث وطنية مستفيدة من تجارب مجتمعات شبيهة واقعة تحت عملية تحديث قسرية استعمارية، هي تحديث في الظاهر لكنها تدمير وتفكيك في الباطن.

وهذا المجلس لا يعمل بمعزل عن المجتمع ولا يكون نخبويا، بل يعمل بمشاركة السلطات المحلية والأقسام فيها، وتكون مهمته وضع تصور اجتماعي مستقبلي للعشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة مقبلة.

من دون ذلك، فإننا لن نكون أسيادا لأنفسنا، وسنبقى ضحايا المخططات الإسرائيلية الاجتماعية قبل السياسية، وستأتي الكارثة المجتمعية التي بدأت في العقدين الأخيرين على كل شيء إيجابي بقي في مجتمعنا.

بانتظار مبادرةٍ لصياغة تصوُّر مجتمعي للعرب في الداخل، تشرح كيف يجب أن يكون شكل البلدة العربية بعد عقدين، أو شكل جهاز التربية والصناعة والبيئة، وذلك تمهيدا لتأسيس مجلس تخطيط مجتمعي يأخذ زمام المبادرة بعيدا عن صخب السياسة وقريبا إلى أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا. فإن الكارثة حاصلة بانتظار من يوقفها.

اقرأ/ي أيضًا | أين اليسار العربي؟

اقرأ/ي أيضًا | التجمع.. مرحلة جديدة؟

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019