ماذا يرضع الإسرائيليون؟

ماذا يرضع الإسرائيليون؟

أنطوان شلحت

أثارت مذيعة أخبار في إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية عاصفةً، بعد أن قالت على الهواء، الأسبوع الفائت، إن سيطرة إسرائيل المتواصلة على أراضي الضفة الغربية تحوّل جنود الجيش الإسرائيلي إلى وحوشٍ آدمية، ولفتت إلى أن هذه هي النتيجة الحتميّة للاحتلال منذ عام 1967. أدلت المذيعة بهذه الأقوال في نهاية تقريرٍ عن جنود إسرائيليين اعتدوا بالضرب الوحشي على فلسطينييْن بعد اعتقالهما، وهما مُقيّدان ومعصوبا الأعين، انتقامًا لمقتل زميلين لهم في هجومٍ مسلّح نفّذه شاب فلسطينيّ. 

سبقت أقوال المذيعة هذه تصريحًا للقائم بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أعاد إلى الأذهان فيه قناعةً إسرائيليةً راسخة أن "البولنديين يرضعون معاداة السامية مع حليب أمهاتهم"، تسبّب بإثارة أزمةٍ دبلوماسيةٍ مع حكومة وارسو. وواضح أنها سعت من خلالها لتقصّي دلالة احتلال 1967 فقط، وليس ما رضعه هؤلاء الجنود والإسرائيليون عمومًا مع حليب أمهاتهم، غير أن أدبيّات العلوم الاجتماعيّة لم تعدم مثل هذا التقصّي لدلالة ما يرضعه الإسرائيليون مع حليب أمهاتهم، بما في ذلك أدبيّات إسرائيلية، على غرار التي أنجزها البروفسور دانييل بار- طال، أستاذ علم النفس الاجتماعي - السياسي، وانكبّ فيها على بحث تنميط شخصية العربي في الروح الإسرائيلية. 

ويبقى من المُثير دائمًا العودة إلى خلاصةٍ يكرّرها بهذا الشأن، مؤدّاها أن التعامل السلبي حيال الإنسان العربي، من اليهود الإسرائيليين بشكل عام، والذي يفضي إلى شيطنته، يتم اكتسابُه في جيلٍ مبكر لدى جميع فئات المجتمع الإسرائيلي، على نحوٍ غير مرهون بتاتًا بموقف فئةٍ معينةٍ دون سواها. بكلماتٍ أخرى، فإنه ليس في مقدور التربية في البيت الإسرائيلي، وفق ما يقول بار- طال، أن تحول دون اكتساب تعامل ثقافي سلبي إزاء العرب، فأولاد إسرائيل يتعلّمون التنميط السلبي للعربي من ثقافة المجتمع. ويصبح هذا التعامل السلبي مركزيًا لدى معرفة مصطلح "عربي"، ويتفاقم في جيل الطفولة حتى سنّ 9- 10 أعوام، حيث يبلغ ذروته. بعد ذلك، ربما تبدأ لدى بعضهم عملية اعتدال متدرّجة، لكن في الحالات جميعًا يظل مفهوم العربي سلبيًا، تقريبًا بالمطلق. 

ويؤكد بار- طال أن الصراع الإسرائيلي- العربي، والذي بموجب قراءته يقف في صلبه في الآونة الأخيرة صراع إسرائيلي- فلسطيني، يستمر في كونه العامل الأكثر حسمًا في إعادة إنتاج التنميط الثقافي السلبي للعرب عموما، والفلسطينيين خصوصا. في مقابل ذلك، يرى أن الإنهاء الرسمي للصراع مع المصريين والأردنيين غيّر، بقدرٍ ملحوظ، النظرة الإسرائيلية تجاههم. 

كما يؤكد أن هذا التنميط السلبي للفلسطيني يواصل أداء دور مركزي، ليس في تفسير الواقع فحسب، إنما أيضًا يشكّل عقبةً أمام حلّ الصراع بوسائل سلمية، فالطريق السلبية التي يُنظر من خلالها إلى العرب والفلسطينيين، لا تنفكّ تشكل موشورًا يصدر المجتمع الإسرائيلي اليهودي، عبره، حكمه القاطع على الخصم/ العدو. وهو يؤدّي، حتمًا، إلى حكمٍ منحرف وانتقائي ومختل، يلقي أوزار المسؤولية عن إيجاد الصراع واستمراره، وعن منع الوصول إلى حلّ له على كاهل ذلك الخصم. ويتمحور هذا الحكم، بصورة حصرية وإطلاقية، حول عنف الخصم/ العدو فقط، ويحول دون أي تعاطفٍ وجدانيٍّ حياله، ومن دون أي اعتبار لحاجاته. وهكذا تُمسي النظرة السلبية إلى الفلسطيني من العوامل التي تمنع التقدم إلى أمام في ما تسمّى "عملية السلام". 

لئن كان هذا الكلام ينطوي على أشياء مُحدّدة، فهو يشير بالأساس إلى أن حُضور العربي في الحيّز الإسرائيلي كان ولا يزال مأسورًا بالحاجة اليهودية إلى هذا الحضور. ولذا يظلّ، أولًا ودائمًا، مُغلّفًا بأحكامٍ هي أقرب إلى البدهيات أو المفهوم ضمنًا، وأفظعها مثلًا الحُكم القائل إن منظومة أخلاق الفلسطيني "أدنى من معايير المجتمعات البشرية الأخرى". ومن اللافت أن نزع الشرعية عن العرب، وخصوصا عن الفلسطينيين، ومن ثمّ شيطنتهم، يحظى بتوافقٍ واسعٍ أيضًا في صفوف عددٍ لا يُستهان به من اليهود، الذين يعرفون أنفسهم بأنهم "يسار".

(العربي الجديد)

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ