الحذر يا جماهير الفيسبوك

الحذر يا جماهير الفيسبوك

سهيل كيوان

ارتباك وشعور كبير بالفراغ، وردود أفعال تزيد عن ردود الأفعال على انقطاع الكهرباء أو المياه، وذلك جرّاء الخلل الذي أصاب شبكة الفيسبوك لبضع ساعات قبل ليلتين.

مئات الملايين من البشر يقضون ساعات في كل يوم مع الفيسبوك وغيرها من شبكات التواصل.

الجميع يعترف بأن علاقاتنا على أرض الواقع باتت واهية جدًا، وحلّت في مكانها علاقات افتراضية، وهذه ما زالت تتنامى يومًا بعد يوم، على حساب العلاقات الحقيقية التي كنا نبنيها مع الناس في السوق والحافلة والفرح وأثناء السفر والمناسبات العامة مع الأقرباء والغرباء على حد سواء.

فوائد شبكات التواصل جمّة وأكثر من أن نحصيَها، ولا ينكرها أحد، فهي باتت الوسيلة الأولى لنقل المعلومات والأخبار بسرعة كبيرة، فقد أتاح الفيسبوك إمكانية لكل واحد بأن يكون صحفيًا، وأن ينشر خبرًا مع أو بدون صور، وأن يطرح رأيه في كل قضية دون استئذان من أحد، فما تفكّر فيه تستطيع أن تطلقه وتعلنه للجميع، موجزًا أو مُفصّلا، وأن تدافع عن موقف ورأي دون أن يستطيع أحد إسكاتك، وقد يتدخل لدعمك صديق افتراضي يؤيدك، كذلك ممكن لك أن تحدّد من هم أولئك الذين أنت مستعد لمحاورتهم في مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والأدبية وغيرها.

الفيسبوك يسّر للناس مشاركة غيرهم بأذواقهم الفنية والأدبية وبطريقة تفكيرهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية، وهنالك الكثير من الاقتباسات الجميلة التي يتناقلها الناس على الفيسبوك من شعر ونثر وصور ومعلومات وغيرها.

لم يعد ممكنًا لأحد أن يخفي الحقائق عن الناس، وخصوصًا أولئك الذين يتعاملون في السياسة، فالأشرطة المسجلة تنشر، كذلك المواقف التي أطلقت يومًا ما في وسائل الإعلام، فهي محفوظة، وممكن مراجعتها لمن يشاء.

لقد صغُر العالم، ولسنا نحن الذين صغّرناه، لقد عمل غيرنا واجتهد واخترع، وها هو يعرف كل صغيرة وكبيرة عنّا، حتى دخل إلى غرف نومنا.

ها هو يملك أسرارًا شخصية لأكثر من مليار ونصف مليار إنسان حول العالم، ولا نبالغ إذا قلنا إن مصائر ملايين من البشر الشخصية باتت معلقة بإشارة من السيد تسوكربيرغ! فماذا لو جُنّ يومًا وقرّر إتاحة دخول الجميع على مراسلات الجميع؟ ماذا لو باتت كل الحسابات مكشوفة لمن يريد؟

التجربة التي مرّت بها جماهير الفيسبوك ليلة الأربعاء، يجب أن تكون رسالة للجميع، بأن يكونوا أكثر حذرًا في التعامل مع هذه الشبكات، وأن لا يثقوا بالتكنولوجيا التي يولونها ثقتهم بشكل أعمى.

على كل مستخدمي الفيسبوك والواتس أن يعرفوا بأن القائمين على الشبكة، قد يفقدون السيّطرة عليها في لحظة ما، وذلك أن هناك الكثير من المنافسين الذين وضعوا هذا تحديًا علميًا أمامهم يحاولون اختراقه، وهم بلا شك مختصون ولديهم قدرات خارقة في هذا العالم الذي نجهله، وقد تقف وراء هذا دول عظمى في هذا المجال وليس أفرادًا فقط.

ليس هذا فقط، فهناك مطالبات رسمية من بعض الأنظمة لصاحب الشبكة بأن يتيح لها الاطلاع على مراسلات مواطنيها، ومنهم الإدارة الأميركية نفسها.

حتى الآن رفض صاحب الشبكة أن يبيع زبائنه، هذا ما يُعلنه، ولكنه يملك القدرة على فعل ذلك إذا أراد، إذن فالحذر مطلوب وضروري جدًا.

 فلتكن هذه وسيلة للتعلم وللفائدة والتسلية، فلنجعل منها منبرًا للحوار الديمقراطي والاحترام المتبادل للآراء، ولتكن أداة لتنمية المشاعر الإنسانية والوطنية بدون تعصّب، لتكن منبرًا للحوارات والآراء المختلفة وميدانّا للتدريب على الديمقراطية.  

فلنحذر من الحسابات بأسماء مستعارة، فأنت لا تعرف نوايا أصحابها، ومن الذي يقف وراء صورة الزهرة أو الكوفية، ومن هم أصدقاؤه، وما هو هدفه ودوافعه لإنشاء حساب باسم مستعار.

فلنتعامل مع الفيسبوك والواتس وغيره على الخاص، كما لو كان مكشوفًا للناس.

ليس سهلا أبدا الإقلاع عن هذا الإدمان، بعدما أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، ولكننا نستطيع التخفيف من وطأته، بالعثور على ما يشغلنا خارج هذا الإطار، مثل الدخول في دورات تعليمية وتثقيفية ونوادٍ للقراءة ونواد رياضية وتنظيم رحلات للتعرف على البلاد، والتفاعل مع حركات وحلقات ونشاطات اجتماعية، أو مع أحزاب سياسية، كل هذا من شأنه أن يشغل شيئًا من وقتنا الثمين، ويحدّ من علاقتنا وشغفنا بشبكات التواصل الاجتماعي.

                                

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019