لعبةُ المُستعمِر واحدة... مذبحةُ نيوزيلندا لن تكون الأخيرة

لعبةُ المُستعمِر واحدة... مذبحةُ نيوزيلندا لن تكون الأخيرة

باسل مغربي

لطالما كانت رائحة الكراهية النتنة التي يبثّها المستعمر الأبيض أينما حل، هي التي تُغذّي الإسلاموفوبيا وإقصاء الآخر، إذ إنها تعدُّ أن ما تفعله وسيلةٌ تبررها الغاية. حينما شاهدت مقطع الفيديو لم يغِب عن ذهني أن في المقطع تجسيدًا لفعل المستعمِر في كل مكان؛ فعلى سبيل المثال والـ"الحصر" كذلك؛ إن بلاد "العم سام" التي سيخرج سياسيّوها ودبلوماسيّوها -أو بعضهم على الأقل- مستنكرين الجريمة، لم تكن لتقوم لها قائمة دون إبادة أكثر من 130 مليون فرد من الهنود الحمر الأصلانيين. وفي فلسطين، أيضًا، تجسيدٌ لذلك، وما تفعله آلة الاحتلال بشكل يوميّ من قتلٍ واعتداءٍ وسرقةٍ وتزويرٍ؛ دليلٌ على أن "السيد الأبيض" لا يرى أن في قتل غيره ما يُستهجَن أو ما يستحق عناء الاستنكار! بل إن المُستعمِر يتفوّق على ذاته في كثيرٍ من الحالات، وينتقل من مرحلةِ عدم استهجان واستنكار القتل إلى وجوب تشريعهما إذا ما كانا يُمثلان عثرةً في وجه مشروعه الذي لا يتغذّى إلا على الدماء.

كرايست تشيرش والخليل... مُقاربةٌ بين مذبحتيْن

بعدَ تنفيذه للجريمة التي وقعت في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلنديّة، عادَ القاتل ليتأكّد أن أحدًا من الأبرياء لم يُفلح بالإمساك بخيطِ حياةٍ هشّ. عاد ليتأكد من جودة سلاح "الرجل الأبيض"، الذي خطّ عليه كتاباتٍ تُشيرُ إلى الحقد المتأصّل فيه تجاه الآخر، لا لسببٍ إلا لأنه مُختلفٌ فحسب. عاد ليحتفي بانتصار الحديد على البشر. إن المذبحة التي نُفّذت اليوم فتحت لنا أبواب الجرائم التي نفّذها المُستعمِر، أو نُفِّذت تحت غطائه، على مصراعيها، ويكفي بالنسبة لنا كفلسطينيين؛ أن نذكر مذبحة الحرم الإبراهيميّ في الخليل، المُشابهة شكلًا ومضمونًا، والتي استشهد فيها تسعة وعشرون فلسطينيًا، وأصيب مئةٌ وخمسون غيرهم، والتي نُفّذت بالطبع تحت غطاء جيش الاحتلال الذي أغلق أبواب المسجد حتى يمنع المصلّين من الخروج والنجاة، لنُدرِكَ بذلك، أن القتلَ بالنسبة للمُستعمِر، إنما هو غاية. كيف لا وقد ارتفع شهداء الخليل بُعيْد مذبحة الحرم الإبراهيمي، إلى خمسين شهيدا في اليوم ذاته، بعد أن استشهد واحد وعشرون منهم برصاص قوات الاحتلال خلال قمعها لمظاهرات الاحتجاج، ليتبعهم بعد ذلك ستون شهيدا قُتِلوا برصاص الاحتلال أثناء مظاهرات الاحتجاج التي اجتاحت المدن والقرى الفلسطينية، وفيهم قال الحاخام موشيه ليفنغر، مُعلّم الطبيب اليهودي-الأميركي المُجرم، ومنفّذ المذبحة باروخ غولدشتاين إن "مقتل العربي يؤسفني بالقدر الذي يؤسفني مقتل ذبابة"، وهو ما تجسّد فعليا اليوم، فمن المؤكد أن الشخص الذي يقتلُ كل أولئك الأشخاص بالأسلوب الذي شهدناه، لا يرى فيهم سوى "حشرات أو ذباب" فائضين عن الحاجة.
وعودةً إلى المذبحة في الخليل، نذكرُ أن تبعاتها كانت كارثية بالمعنى الحرفيّ، وأبرزها نقطتان لا بُدّ من ذكرهما، فأما الأولى، تجسّدت حينما كرّس المُستعمِر الاستيطان في الخليل، وقسّم الحَرَم زمكانيًّا، وحظر على الفلسطينيين دخول أجزاء منه معظم أيام العام، وحرمهم من دخوله بشكل كامل في الأعياد اليهودية، وأما الثانية، فهي تقسيم الخليل لاحقًا وإخضاع حوالي خمسة وعشرين ألفا من أهلها لحصار خانق، لصالح أربعمئة مستوطن، أضف إلى ذلك الإغلاق الكامل لمئات المحلات التجارية وأسواق البلدة القديمة منذ أعوامٍ طوال، وحتى اليوم.

لعبةُ الموت

المذبحةُ التي وقعت اليوم، بشعة جدًا. أنا أدري أن الجريمة مهما كانت، لن تكتسب صفة الـ"جمال" إلا إنني أقول وأصف الجريمةَ بالبشاعة والقُبح، لفرط دمويّتها وقذارتها ولعجز مفرداتنا وهشاشتها أمام هَوْل الحدث وعِظَمه؛ إن قتلَ هذا الكمّ الهائل من الأشخاص، ليس فقط بدمٍ بارد، وإنما بتلذُّذٍ وانتشاءٍ كبيريْن، وبتخطيطٍ و"سيناريو" جاهزيْن وببثٍ مباشر عبر الإنترنت، ينقل الأنين ولحظات الفزع الأخيرة للأبرياء، ولون الدم المُخضّب بالوجع ليراهُ عشراتُ الملايين في ساعات؛ لَهُوَ أمرُ يُثير الرّعب في نفسِ أي عاقل، أو أي كائن!
إن ما رأيناه كان أشبه بلعبة إلكترونيّة عالية الدقّة! يتلذّذ لاعبها بالقضاء على أكبر عدد من الخصوم في أقل وقتٍ ممكن، مُستمتعًا بآهاتهم، بيدَ أن الحقيقيّ هو كل تلك الدماء المُسالة، لا اللاعبُ واللعبة. إن ما بثته الكاميرا التي ثبّتها المُجرم على رأسه، نقلت لنا ما رأى من نفس الزاوية، إلا أن المنظور مختلف، فحينما رأينا نحن رجُلًا يزحف على الأرض محاولا الهروب والإبقاء على حياته، رأى القاتل/ المُستعمِر (ذُكرت كلمةُ المُستعمِر مجازًا ويُقصد بها الإشارة إلى شَبَه الجريمة بفعل المُستعمِر) أن هذا الرّجل يُشكل عقبةً أمام مشروعه الكليّ المُتمثّل بإبادة كل من وُجِد في المسجد، لذا ما كان من القاتل/ المُستعمِر إلا أن يُسرع وُيُجهز على العقبة التي أمامه كيما يستكمل مشروعَ جحيمِه الباقي، أَوَلا يُذكرنا ذلك بمحمد الدرّة الذي استشهد في حضن والده وهما يحاولان -من غير حيلة- اتّقاء وابل رصاص جنود الاحتلال الذين لم يُشكّل عليهم أي خطر من الوالد المذعور وابنه الذي لم يقترف ذنبًا سوى أنه طفل فلسطيني؛ 

"يُريد الرجوع إلى البيت
من دون دراجة... أو قميص جديد
يريد الذهاب إلى المقعد المدرسي
إلى دفتر الصرف والنحو".

لذلك يصيح مستنجدًا بوالده: "خذني
إلى بيتنا، يا أبي، كي أُعدّ دروسي
وأُكمل عمري رويدًا رويدًا
على شاطئ البحر، تحت النخيل
ولا شيء أبعد، لا شيء أبعد". (من قصيدة محمد التي رثاهُ فيها محمود درويش).

ما بعد نيوزيلندا

في الحقيقة، إنني أعتقد أن تبعات الجريمة ستكونُ أكبر وأشدّ وطأةً من فعلها المُجرّد، ولعلّنا سنشهدُ في الأشهر أو ربّما الأيام المُقبلة، أفعالا إرهابية أخرى في أماكن أخرى على هذا الكوكب الأزرق، سيدفع ثمنها أناس لا ناقة لهم ولا جمل لا بالإسلامِ ولا بالخوف منه. أفعالٌ سيعتبر أصحابُها أنها ردٌ طبيعي مشروع على ما يتعرّض له المُسلمون، وحينها ستتسعُ رُقعة الرّد من الطرفيْن، وبالتأكيد ستتضاعفُ كراهية من يكره، وسيتأصل حقدُ من هو حاقد، وسيستمرُّ المُستعمِر بالقتل مُدّعيًا سعيًا دؤوبًا لنشر الحضارة. سيستمرُّ المستعمرُ بالقول كما كتب درويش في قصيدة"خطبة الهنديّ الأحمر" التي جاء فيها:

"نُبَشركم بِالحضارةِ  ....
 أَنا سَيِّدُ الْوَقْتِ، جِئْتُ لِكَيْ أَرِثَ الأَرْضَ مِنْكُم
فَمُرّوا أَمامي، لأُحْصِيكَّمْ جُثَّةً جُثَّةً فَوْقَ سَطْحِ الْبُحَيْرَة.
’أُبَشِّرُكُم بِالحْضارَةِ’ قالَ، لِتَحْيَا الأَناجيلُ، قالَ، فَمُرُّوا لِيَبْقى لِيَ الرَّبُّ
وَحْدي، فإِنَّ هُنودا يَموتونَ خَيْر لِسَيِّدِنا في العُلا مِنْ هُنود يَعيشونَ، وَالرَّبُّ أَبْيَض وَ أَبْيَضُ هذا النَّهارُ: 
لَكُمْ عالمٌ وَلنا عالَمْ...
يَقول الغَريبُ كَلاما غَريبا، وَيَحْفرُ في الأَرْضِ بِئْرا لِيَدْفنَ فيها السَّماءَ".