انتخابات 2019: هل أبعد خطاب الإنجازات الناس عن السياسة؟

انتخابات 2019: هل أبعد خطاب الإنجازات الناس عن السياسة؟

د. إمطانس شحادة*

تحمل نكسة انتخابات 2019، ولا يمكن اعتبارها غير ذلك، مؤشرات خطيرة على مكانة العرب السياسية في الداخل وعلى نضالهم لنيل المساواة الجوهرية التامة كجماعة قومية. فقد تراجعت نسبة مشاركة الناخبين العرب إلى 50% مقارنة بـ 64.5% في انتخابات 2015، وتراجعت حصة الأحزاب العربية إلى قرابة 70% من مجمل الأصوات بعد أن بلغت 85% عام 2015، وحصلت الأحزاب العربية على 10 مقاعد مقابل 13. هذا الواقع يستوجب على الجميع التعامل بجدية وشفافية ومسؤولية، وإجراء مراجعة شاملة للعمل السياسي وأداء الأحزاب العربية ومراجعة التحولات في الوعي والمزاج السياسي العام لدى الفلسطينيين في الداخل، وعدم الاكتفاء بتفسير الواقع بتفكيك القائمة المشتركة.

قد تكون المهمة الأكثر إلحاحا على الأحزاب العربية هي إعادة قراءة الوعي والمزاج السياسي العام لدى المجتمع العربي، وهو من أهم العوامل التي تحدد التصرف السياسي، ويتأثر بشكل مباشر من واقع الفلسطينيين في الداخل، واحتياجاتهم اليومية المعيشية ومكانتهم السياسية والقومية، والتحولات العميقة في المشهد السياسي الإسرائيلي. فقد بُذل في السنوات الأخيرة جهد إعلامي ومؤسساتي كبير لهندسة وعي الفلسطينيين في الداخل، ودفعهم للتقوقع والاهتمام بقضاياهم اليومية والمعيشية، والابتعاد قدر الإمكان عن الهم الوطني والقضايا القومية الجماعية، بحيث حاولت المؤسسة الادعاء أن الأحزاب العربية تهتم بالقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال بينما تهمل قضايا الناس اليومية. وهو، بطبيعة الحال، افتراء وتضليل وتشويه لعمل الأحزاب العربية وجهدها، وتشويه للاحتياجات السياسية للفلسطينيين في الداخل.

في هذا الواقع وقعت الأحزاب العربية، وتحالف الموحدة والتجمع من ضمنها، في فخ خطاب الإنجازات والتأثير، وتراجع خطاب الحقوق والمطالب الجماعية وتأثير الانتخابات على الهوية ومكانة الفلسطينيين في الداخل. ولم تثقف الأحزاب، وتحديدا التجمع الوطني الديمقراطي، بالشكل الكافي على الربط بين القضايا اليومية المعيشية والقومية وبين السياسيات العنصرية، ولم توضح العلاقة البنيوية بين القضية الفلسطينية وبين مكانة العرب في الداخل والعنصرية تجاههم.

على الأحزاب العربية أن تكون شفافة، وأن توضح للناخب العربي محدودية العمل البرلماني، وكونه أداة من عدة أدوات نضال تستعملها الأحزاب العربية في الداخل، وأن لا تغيير جوهريا حقيقيا في القضايا اليومية دون تغيير في المكانة السياسية للعرب في الداخل، وتحديدا توضيح الرابط بين القضايا اليومية المعيشية والقومية. من الخطأ أن يتوقع الناخب العربي من الأحزاب العربية أن تتعامل مع نفسها كحالة طبيعية في المشهد السياسي الإسرائيلي، وكمن يتوسل الشرعية من أحزاب يمين الوسط واليمين لكي نكون جزءا من المنظومة الحزبية الشرعية إسرائيليا، وتعتقد أننا نعيش في منظومة حزبية وسياسية طبيعية يمكن لتغيير هوية الائتلاف الحاكم أن يغير السياسات وواقع الفلسطينيين في الداخل.

إذا كان سؤال الإنجازات والأداء والتأثير هو الأهم سيتحول هذا المعيار بالضرورة إلى عامل هام في تفسير أنماط التصويت والعمل البرلماني، وسيسأل الناخب العربي الأحزاب العربية المتنافسة ماذا فعلتم لي من خلال الكنيست؟ وما هي إنجازاتكم؟ وستكون هذه الأسئلة هي العامل المؤثر على قرار المشاركة في التصويت أو عدمه ولمن نصوت. وإذا كان هذا العامل الأهم والأبرز سيكون على الأحزاب العربية أن تهجر السياسة وتسييس الانتخابات، وتكتفي بسؤال الإنجازات؛ وقد يدفع هذا، عن دون قصد أو وعي، الناخب العربي نحو أحزاب إسرائيلية قد توفر قسما ولو بسيطا من احتياجاته بمجرد أن يتنازل عن السياسي وعن الهوية والهم الجماعي.

مقابل وعي الإنجازات علينا أن نعزز وعيا مغايرا واقعيا وعمليا في آن واحد يتمحور في طرح يرمي إلى استعمال المشاركة في الانتخابات كأداة في عملنا لتغيير الواقع السياسي والقانوني والمعيشي اليومي للعرب في الداخل. وعي يريد إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية طبيعية قابلة للحياة تعكس الحقوق التاريخية الطبيعية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير كباقي شعوب الأرض؛ وأن يضمن الحرية القومية والمدنية والاقتصادية والكرامة للفلسطينيين في الداخل؛ ويسعى إلى المساواة الجوهرية الكاملة لجميع المواطنين؛ ويعمل على تعزيز الهوية الجمعية والانتماء والحقوق الجماعية.

هذه المقاربة ترى أن التعامل مع هموم ومشاكل الناس هي مهمة وطنية يجب إتقانها، دون أن تتحول إلى مشروع أسرلة في حال فصلنا اليومي المدني عن القومي، وطبعا ترى أن الاهتمام بالقومي دون الاكتراث لليومي سيبعد الناس عن السياسة، ويبعد الأحزاب عن الناس، وتتحول إلى صالونات فكرية تنظيرية.

يجب أن نعزز نحن العرب في الداخل خطاب الحقوق الجماعية الطبيعية والتاريخية والمساواة الجوهرية الكاملة. هذا الخطاب الذي نجح في السابق في تحقيق إنجازات حقيقية ساهمت في الحفاظ على الهوية والانتماء؛ ومنع شرذمة وتفتت المجتمع العربي؛ ونجح في تعزيز ثقافة بناء المؤسسات الجماعية والأهلية؛ ونحج في إحراج النظام الإسرائيلي؛ ونجح في تحقيق إنجازات برلمانية مدنية معيشية جماعية عديدة في الوقت نفسه: مثل إلغاء ضريبة الأملاك، والتمثيل الملائم للعرب في الوزارات الحكومية وفي الشركات الحكومية وفي إدارات الشركات الحكومية، وغيرها العديد العديد. بإمكان هذا الخطاب والنهج أن يستمر في تحقيق الكثير للمجتمع العربي، في الجانب المدني المعيشي وفي الجانب القومي.

خطاب المساواة الجوهرية الكاملة والحقوق الجماعية هو خطاب واقعي لا يبث تفاؤلا وهميا مشوها للناخب العربي، ولا يدعي أنه بمجرد تغيير هوية الحزب الحاكم وطبيعة الائتلاف، ستكون بداية الخلاص. هذا الخطاب استنتج أنه بالإمكان تحقيق الإنجازات السياسية وتحسين الأحوال المعيشية والمدنية للمجتمع العربي والبلدات العربية دون تقديم أي تنازل او مساومة، والحفاظ على الهوية والانتماء.

يمكن تحقيق ذلك بالعمل النضالي الصحيح داخل وخارج البرلمان، حين نعمل بشكل مهني ومثابر، حين نستغل على سبيل المثال لا الحصر احتياج إسرائيل لتطوير الاقتصاد العربي بل تعلق الاقتصاد الإسرائيلي بالاقتصاد العربي، وحين نعرف أن الحقوق المدنية هي جزء من الحقوق الجماعية، وهم مرتبطان معا، وحين نعمل، بالتوازي للعمل البرلماني داخل المجتمع العربي لتمكين وتعزيز مناعة المجتمع ومواجه السلبيات والآفات المجتمعية القائمة. حين ندرك أن مجتمعا محصنا قويا ومتماسكا يمكن أن يناضل من أجل الحقوق المدنية والمعيشية والقومية الجماعية بشكل أقوى وأكثر فعالية.


* تحالف الموحدة والتجمع ورئيس قائمة التجمع الوطني الديمقراطي البرلمانية

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية