هل بات الوقت مناسبًا لحوار بين النخب العربية؟

هل بات الوقت مناسبًا لحوار بين النخب العربية؟

عوض عبد الفتّاح

كان متوقعا، بل مطلوبًا، بعد انفجار الثورتين الجزائرية والسودانية أن تتراجع حدة النقاش (بل الاحتراب)، الذي اشتعل غداة انفجار الغضب الشعبي العربي في أوساط التيارات الوطنية واليسارية والقومية والليبرالية، في عموم الوطن العربي، بما فيه فلسطين.

فبعد أن تجرّأ الشعبان العربيان في هذين البلدين العربيين على خوفهم، وأطلقا انتفاضتهم المبهرة التي نجحت بالإطاحة برأسي النظامين، دون إراقة دماء في فترة قصيرة، انفتح أفق جديد لهما ولشعوب الأمّة العربية. كل ذلك أعاد طرح الأسئلة الكبرى التي كادت أن تُطمس بفعل نجاح الثورات المضادة الدموية لزمن طويل.

وبدل أن تثير هاتان الملحمتان الثوريتان أسئلةً جدّيةً في أوساط من ساندوا الاستبداد والثورات المضادة ومن أمعنوا في التنظير غير الأخلاقي، راحَ البعض منهم يستخف ويقلّل من شان هاتين الثورتين ومن إنجازاتهما، ويصنفوهما على أنهما "استمرار لمؤامرة كونية على الوطن العربي"، في حين ذهب آخرون إلى الإشادة بهما، ولكن انطلاقا من الادعاء بأن خلفية هاتين الثورتين تختلف عن الثورات العربية التي سبقتهما. وحين ترى "مثقفين" أو "قوميين"أو "يساريين" على فضائيات عربية، وهم يُهينون ويحقّرون الشعبين السوداني والجزائري من خلال نسب ثورتي هذين الشعبين العريقين في الثورات، ضد المستعمر الخارجي وضد المستعمر الداخلي (أي الانظمة) إلى مؤامرة خارجية، تكاد تصاب بالغثيان. هل يعقل أن تكون الشعوب العربية كلها أداةً في يد المتآمرين على بلدانهم، ألا تستحق هذه الشعوب أن تتحرر من الخوف؛ الخوف من القمع والسجن والتعذيب والسحق، الخوف من الفقر، والجوع، والبطالة، الخوف من انعدام المستقبل! هذا هو السؤال الذي واصل الكثيرون طرحه.

وتستطيع أن تلمس الإرباك والحرج عند هؤلاء، لأنّ ما نظّروا له بات من الصعب الدفاع عنه، والأكثر من ذلك، أنّ ارتباكهم يلتقي مع ارتباك ورعب الطغاة المعادين للثورات والمتحالفين مباشرة مع الكيان الصهيوني، الاستعماري كأنظمة لمملكة السعودية والإمارات والنظام المصري، التي تتآمر الآن وتتدخّل بالمال وبغيره لإجهاض هذه الثورات ومنعها من الوصول إلى غاياتها النهائية وهي: الحرية، الديمقراطية، العيش الكريم، العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني. ويذكر المواطن العربي أنّ هؤلاء المتحدثين على شاشات الفضائيات لم يبقوا من شتيمة إلّا ووجّهوها إلى كل من وقف مع الشعوب العربية ضد الطغاة، وصوّره كأنه مصطفّ مع قوى غربية ضد الأمّة العربية.

ولا أشكّ في نوايا العديد من هؤلاء القوميّين أو اليساريين المدافعين عن أنظمة قومية مستبدة، ويشاركون في حملة تخوين وتكفير ليساريين وقوميين حقيقيين وقفوا مع حرية المواطن ومع حرية الوطن؛ إذ أنّهم، أيضًا، يريدون وطنا عربيا حرًا، ولكن النوايا لا تكفي، بل بات ضرورةً وجوديةً انسجامُ المثقف مع الرؤية التحررية الإنسانيّة، أي جعل الإنسان في المركز وليس الدولة، التي تحوّلت إلى عزبة للعصابات الحاكمة وآلةِ طحنٍ للمواطن ومصدرِ الهزيمة أمام إسرائيل. ومن هذا الباب، لا بد من إعادة فتح الحوار والنقاش في أوساط هذه النخب، وتحديدًا تلك، غير المرتبطة بأي نظام مستبد أو متعاون مع إسرائيل. 

لم يعد ينطلي على أحد حصر الخلاف والاختلاف والصراع في محورين؛ محور ممانع ومحور رجعي. هناك محور ثالث، هو محور الشعوب وقواها الوطنية الديمقراطية، هو المحور القومي واليساري والوطني والديمقراطي، غير المؤطّر، لا ضمن دول أوأنظمة، ولا ضمن حركات إقليمية منظّمة وواضحة. هذا المحور، غير المنظم والممتد على طول الوطن العربي، وفي الغربة، وقف مع كل الثورات العربية، في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسورية، ومع كل الاحتجاجات التي اندلعت في المغرب والجزائر، والأردن وفي العراق في بدايات الربيع العربي، ووقف ضد التدخل الخارجي وضد العسكرة.

لكنّ هذا المحور، أيضًا، كان ولا زال نقديا، بل ناقدًا شديدا ضد قيادات المعارضات وسلوكياتها، وتوقف عن اعتبار الثورات الليبية والسورية واليمنية، عندما تحولت إلى حروب دولية وإقليمية بالوكالة، وعندما دخلت التنظيمات التكفيرية الفاشية إلى صفوفها، فساهمت في تدميرها. يدرك هذا المحور العربي التحرري الديمقراطي وجود مؤامرات على الوطن العربي ويؤمن أنها لم تتوقف، ولكن أنظمة الاستبداد الفاسدة هي التي تتحمل المسؤوليّة عن جعل أوطانها قابلة للتدخل الخارجي التدميري، وتسهيل تمرير المؤامرات.

بعد العام الأول من الثورات العربية، سألني أكاديمي فلسطيني في إطار بحث عن موقف الأحزاب العربية داخل الخط الأخضر من الثورة السورية، بسبب ما أثارته من انشقاق داخلها، فكتب في بحثه أن موقفي مرتبكٌ لأنني، كما كتب، ناقدٌ للنظام والمعارضة.

لكن موقفي الحقيقي هو أني أيّدت الثورة السورية منذ اليوم الأوّل، ورأيت فيها تعبيرًا عن اللحظة التاريخية الثورية التي دخلها الوطن العربي والمنتظرة منذ عقود. بل رأيتها من أعظم الثورات، وبالتحديد خلال الأشهر الستّة الأولى، التي أدارتها لجان التنسيق من الشباب الثائر بصورة مذهلة، رغم الوحشية المرعبة التي اعتمدها النظام ضد المتظاهرين. لكن مسارعة القيادات التي هيمنت لاحقا على قيادة الثورة، مثل الإخوان المسلمين ومعارضات علمانية انتهازية ومسارعتها إلى اللجوء إلى الغرب للتدخل العسكري، أي عسكرة الثورة، كانت سبب مقتل الثورة، ولذلك تتحمل هذه المعارضات، كذلك، المسؤوليّة عن هذا الفشل المريع للثورة. وبعد أنْ تغولت الفصائل الدينية، لم تعد هناك ثورة، بل حرب قذرة.

ولذلك، يسود الرأي في المحور الثالث القائل إن الثورة السورية أو بالأحرى، الشعب العربي السوري، هو ضحية النظام الأسدي الدموي، وقيادات المعارضات البائسة، التي تحوّل الكثير منها إلى أدوات للخارج، كما هو النظام. وتدل ثورتا السودان والجزائر أنّه كان بالإمكان إنقاذ سورية من حرب مدمرة لو تجاوب النظام أو الجيش مع مطالب الناس.

إن عودة الشعوب العربية إلى الثورة، كما في السودان والجزائر، وإلى الاحتجاج كما في المغرب والأردن والعراق رغم كل ما مرّت به ثوراتها من سحق وإخفاق وبطش، تعيد طرح الأسئلة الكبرى أمام المثقف العربي، ولن يستطيع مواصلة التلحّف بعباءة المؤامرة، كطريق للهروب من التوقف العملي والأخلاقي أمام أسئلة الإنسان، ونهضته وكرامته، وأمام استقلال ووحدة الوطن العربي.

أمّا أنظمة الخليج المتعاونة مع المستعمِر الصهيونيّ، فإنها لن تصمد عندما يبدأُ الحوار بين القوى القومية واليسارية والوطنية والديمقراطية، وعندما تتفّق هذه القوى على تصوّر نهضوي وطني وديمقراطي وإنساني، وتقدّم مثالا للحكم السليم، وللدولة الوطنية المدنية القادرة على حماية المواطن من العسف والاستبداد، ومن الفقر والجوع، وكذلك، حماية الأرض والحدود من الهيمنة الإمبريالية والصهيونية. 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة