ثلاثة يهود في بيتي

ثلاثة يهود في بيتي

عوض عبد الفتاح

على مدار تاريخ نشاطي السياسي، كفلسطيني يحمل المواطنة الإسرائيلية، لم تكن لي علاقات صداقة أو ألفة مع إسرائيليين صهاينة، حتى من المعتدلين منهم. عرفتُ الإسرائيلي استغلاليًا وعنصريًا في مكان العمل، ومحققًا في غرف التحقيق ومفتشا مستفزًا على نقاط العبور والمطارات، أو محاضرًا في الجامعة، أو طاردًا لي من العمل أو شرطيًا يقتحم بيتك ليلا ويعتقلك من عزّ نومك. إن الأفراد، وهم قلائل جدا، الذين بنيت علاقات رفاقية معهم، هم المناهضون للصهيونية، ومن أوائل من تعرّفت إليهم، بداية الثمانينات، المحامية الشجاعة ليئا تسيمل، وزوجها ميشيل فارفاسكي ميكادو (حركة ماتسبين)، الذي قضى عامين أواسط الثمانينات في السجن على خلفية علاقاته مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبعدها عساف أديب ويعكفون بن أفرات وآخرون (حركة ’ديرخ هنتسوتس’ - طريق الشرارة) الذين، قضوا، أيضًا، أعوامًا في السجون الصهيونية، على خلفية العلاقة مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وبعدها المناضل الدائم النشاط، يوآب بار - حيفاوي، فقد تجسدت العلاقة معه في العمل اليومي من خلال عضويته في حركة أبناء البلد، منذ أكثر من ثلاثة عقود، واليوم، من خلال حملة الدولة الديمقراطية الواحدة.

كانت ترمز هذه العلاقة، في تلك الحقبة، فكريا وسياسيًا، إلى فهمٍ أصيلٍ للصراع، مستندًا إلى الماركسية وإلى النظرية الكولونيالية العنصرية، الصراع المرتبط بنشوء الرأسمالية، وهي النظرية التي تفسّر السّياق التاريخي والسياسي الاقتصادي الذي ولدت فيه فكرة خلق الكيان الصهيوني في فلسطين. كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، وخاصة فصائل اليسار، لا تزال تطرق باب الصّراع، وتقدم أطروحاتها للناس، من هذا الباب، واستنادًا إلى هذه النظرية، رغم أن لغة التسوية والتطبيع مع الكيان الصهيوني كانت قد بدأت تتغلغل في أوساط النخب السياسية الفلسطينية المحيطة والمتماثلة مع التيار السائد في منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن بعد مرحلة أوسلو، تراجعت تلك المقاربات وتآكلت حتى عند اليسار الفلسطيني، وفِي الآونة الأخيرة، وفِي ظل عجز هذا اليسار، نهضت فئات جديدة، شابة، أكاديمية ومثقفة ومُجدِّدة من خارج هذه الهياكل والأطر التنظيمية والفصائلية المتراجعة، لتضطلع بدور تنظيري، تثقيفي، يعيد الصراع إلى أبجدياته وإلى أصوله. وهذه الأدبيّات الجديدة لا تعترف بأن هناك صراعًا بين طرفين متساويين في الحق، بل تراه غزوًا استعماريًا اقتلاعيًا استيطانيًا، من ناحية، وشعب يقاوم بكل ما أوتي من قوة لدحر هذا المشروع وإنجاز تحرره وحريته من ناحية أخرى. والذي حفّز العودة إلى هذه المقاربات النظرية، هو تغول المشروع الكولونيالي، وإخفاق النخب الفلسطينية الرسمية في تحرير أيّ شبر من أرضِ فلسطين، وتحولها إلى وكيل للاستعمار الذي لم يعد يخفي نيته في بسط سيطرته الكولونيالية الأبدية على كامل فلسطين، موجهًا ضربة قاتلة لمشروع التسوية المشؤوم، المسمى حل الدولتين.

في الأسابيع الأخيرة، زارني في بيتي، كلٌ على انفراد، ثلاثة أكاديميين إسرائيليون، اثنان منهما أكاديميان ونشيطان ومناهضان شرسان للصهيونية، ومنخرطان في نشاط من أجل الدولة الواحدة وحركة المقاطعة، هما إيلان بابي، وميكو بيليد؛ أمّا الثالث فهو أكاديمي، ومحاضر في جامعة تل أبيب، واسمه أريك رودنسكي، ويعمل في إطارٍ للتعاون العربي اليهودي.

والأخير يقوم بكتابة بحث عن حركة "أبناء البلد"، وكذلك عن كيفية تحولها أو تطورها نحو إقامة حزب التجمع، والخلفيات الفكرية والسياسية التي تقف وراء هذا الانتقال. وبحسبه، اكتشف، مؤخرًا، أنه، رغم محدودية تأثير الحركة جماهيريًا، إلا أنّ ما قامت به أكثر بكثير مما كتب عنها. ليس ما يشدّه، كما لمستُ من حديثه، مدى تأثيرها الجماهيري، الذي كان محدودًا مقارنة مع الأحزاب الأخرى، بل الفكر الذي حملته، وكونها كانت حركة فلسطينية يسارية قومية، وفيها يهود، وتتحدث عن دولة ديمقراطية علمانية واحدة يعيش فيها اليهود والعرب. ولذلك هو يحتاج، كما قال، إلى لقاء مع قيادات الحركة، والاستماع منهم مباشرة.

والثلاثة جلبوا معهم كتبا مثيرةً عن الصراع العربي الصهيوني، وعن تجاربهم الشخصية، والتحوّلات التي مروا بها.

فأريك رودنسكي جلب معه كتابا عنوانه "البحث عن الدولة الفلسطينية الحديثة"، ومؤلّفه باحثٌ ومحاضرٌ في الجامعة العبرية، عمل مستشارًا لجميع فروع المخابرات الصهيونية، هو ماتي شتاينبرغ.

ويعالج شتاينبرغ تحولات الوعي الوطني عند الشعب الفلسطيني، ويحاول توجيه السياسة الإسرائيلية إلى الاعتراف بحصول تحولات عند الفلسطينيين نحو قبول التعايش مع إسرائيل والتجاوب بصورة إيجابية مع هذا التحول، وذلك حتى لا يعودوا إلى الماضي، أي المطالبة بكل شيء.

وفِي مقدمة الكتاب، يتحدث عن اكتشافه الذاتي بانهيار وهم الانتصار الصهيوني عام 1967 الذي شارك فيه، فيكتب في مقدمة الكتاب "أتذكّر تمامًا، عندما كنّا في طريقنا عائدين إلى قاعدتنا، كيف شعرت بالنشوة، كجندي ابن العشرين، من الإنجاز الكبير الذي حققناه، وكأننا أرحنا إسرائيل من المخاطر الأمنية الوجوديّة...كان هنالك هدوء تامّ في شوارع غزة، بل بدا أن هناك صمتًا أو ربما صدمةً جراء الهزيمة. ولكن، فجأة، ونحن في طريق غزة الرئيسي، تحطم هذا الهدوء بفعل طلقات رشاشٍ غزيرة باتجاهنا. عندها أدركتُ أنّ حقبة من الصراع العربي الإسرائيلي قد انتهت، ولكن جبهة أخرى ليست أقلّ شراسة، باتت وشيكة".

وما يهمّنا، في الأساس، من كتاب رجل المخابرات الإسرائيلي، ليس اعترافه باستحالة استسلام الشعب الفلسطيني، إنّما ما تنبأ به، أي عودة الفلسطيني إلى الماضي (إلى جذور الصراع الأولى)، في حال مواصلة إسرائيل رفضها لقبول التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية، وهي تنازلات كارثية، في حقيقة الأمر.

أمّا ميكو بيليد، الذي ألتقيه لأول مرة بناءً على طلبه، ففي كتابه المعنون بـ"ابن الجنرال، رحلة إسرائيلي في فلسطين" (The General's Son: Journey of an Israeli in Palestine)، يتحدّث عن مسيرة تحوله من صهيوني إلى مناهض للصهيونية، وإلى منادٍ بإسقاط الصهيونية، حركةً وأيدلوجيا، والدعوة إلى قامة الدولة الديمقراطية في كل فلسطين. هو ابن الجنرال الإسرائيلي، ماتي بليد، حاكم قطاع غزة السابق، الذي تحول نحو قبول حل الدولتين، وتحالفت معه الحركة التقدمية، بزعامة المحامي محمد ميعاري، لخوض انتخابات الكنيست عام 1984. ولكنّ ابنه تجاوزه في مواقفه الجذرية، وحين قلت له إنّ المحاضرات المنشورة على اليوتيوب التي تقدمها في الولايات المتحدة الأميركيّة (حيث يقيم منذ 25 عامًا، ويعمل محاضرا جامعيًا) وأنت تفضح الصهيونية وليس فقط إسرائيل، وتواجه أنصار إسرائيل بشجاعة هي في غاية الأهمية في نظري، أجابني بهدوء وبنوع من الحرج "إنّنا نريد أن نُكفر عما ارتكبته عائلاتنا من جرائم بحق الشعب الفلسطيني".

إمّا إيلان بابي، الأكاديمي والناشط، والمطرود من جامعة حيفا، فقد أسهم ويسهم مساهمة نوعية، عبر بحثه الأكاديمي وكتبه العديدة ومحاضراته المكثفة في نسف أساطير الصهيونية، وهو الأكثر بروزًا بين الإسرائيليين الذين يتصدون للحملات الصهيونية في الخارج. ونحن نعمل معًا حاليًا، إلى جانب المئات من الفلسطينيين واليهود، في إطار حملة الدولة الواحدة.

لقد ازداد عدد هؤلاء في السنوات الأخيرة، وخاصة الجيل الشاب، الأكاديمي والناشط منهم، وهم، رغم قلتهم، ذخر هام، أخلاقي وعملي في مسيرة تعرية وعزل نظام الأبرتهايد الكولونيالي المتوحش في فلسطين.

ليس ما أريد إيصاله هو أنّ تحرير فلسطين من النظام الاستعماري العنصري، يعتمد على هذه القلة القليلة من المناضلين اليهود بل على شعبنا الفلسطيني، وعلى نخبه الطليعية التي ينتظر منها أن تضطلع بالمسؤوليّة التاريخية. وأولى الخطوات، هي استعادة الفهم العلمي والتحرري لجذور الصراع، باعتباره صراعًا بين شعب واقع تحت الاستعمار ونظام أبرتهايد استعماري استيطاني نتج عن نشوء الرأسمالية وحاجتها للتوسع الاستعماري والأسواق، ومن ثم تخيّل الرؤية النهائية لحل هذه الصراع بناءً على هذا الفهم.

بالطبع، في الساحة الفلسطينية، تتسع دائرة المساهمين في إنتاج المعرفة التحررية، من أكاديميين ومثقفين، وفنانين، نساء ورجالًا، كبارًا وشبابًا. هذا الجهد المتنامي، وبعضه يجري ترجمته، ليس فقط في المواقع إلكترونية العديدة، بل، أيضًا، في المبادرات العملية الميدانية، لتشكيل أُطر وحملات وحركات شعبية، تهدف إلى أولًا: إلى استعادة فكرة فلسطين كجغرافيا واحدة، وتوحيد شعب فلسطين كشعب واحد رغم تشتته؛ وثانيا: إلى تشكيل حركة شعبية واسعة تحمل هدف التحرير والتحرر، وإقامة الكيان الديمقراطي الواحد في فلسطين التاريخية. أما دور وموقع اليهود المناهضين للصهيونية والاستعمار، والمؤيدين للعدالة الاجتماعية، فيجب أن يتم التعامل معه بجدية كاملة، أولا من زاوية أخلاقية، وثانيا من زاوية عملية. ليس عملا بسيطًا أن يكون في صلب حملات المقاطعة يهود، إلى جانب المناضلين الفلسطينيين، في ضوء السعي المحموم للكيان الصهيوني الهادف إلى دمغ حركة المقاطعة بأنّها حركة لاسامية، معادية لليهود وليس للاستعمار وجرائمه.

إنه طريق طويل وصعب، ولكن يوجهه وضوح الرؤية والهدف، مقابل حالة التيه السياسي والأخلاقي الراهن.