تركيبة المشتركة المقترحة وخطر عودة الحزب المهيمن!

تركيبة المشتركة المقترحة وخطر عودة الحزب المهيمن!

سليمان أبو إرشيد

أخطأ التجمع مرتين، الأولى عندما وافق على تفويض لجنة "الوفاق" وتخويلها بشكل غير مشروط بتركيب القائمة الانتخابية المشتركة، عوضا عن المفاوضات المباشرة بين الأحزاب، وبالتالي اعتماد هذا النمط التقليدي بكل ما يعنيه من نكوص وتفريط بالامتياز المطلق، الذي انتزعته الأحزاب في تمثيل نفسها وتمثيل جماهيرنا بصفتها أدوات التنظيم والعمل السياسي في المجتمع الحديث؛ والثانية عندما تراجع عن هذا التفويض (الخاطئ) على خلفية ما اعتبره إجحافا بحقه في التمثيل المناسب في إطار القائمة المقترحة، دون أن يتمكن من الإقناع بأنه لا ينكث بوعود ولا يتنصل من التزامات قطعها على نفسه، بكل ما يعني ذلك من مس بمصداقيته.

الشعور بالإجحاف وإن كان صحيحا ومؤيدا بالكثير من الحقائق والقرائن، فإنه جاء نتيجة مباشرة لخطأ مندوبي التجمع، الذين وافقوا أن تدار عملية تركيب أداة العمل السياسي الأكثر حداثة والمتمثلة بالقائمة البرلمانية، بأساليب تقليدية قديمة.

وبغض النظر عما تقدم أيضا، فإن استعمال أنماط تقليدية في التعاطي مع القضايا العصرية، لا يؤتي بالنتائج المأمولة، حيث القيم هي ليست ذات القيم والرجال هم ليسوا نفس الرجال، والزمان هو زمن تسيطر فيه المصالح على أي شيء آخر، خاصة عندما يتعلق الموضوع بالسياسة.  

كذلك من المفيد لمن يقومون بجلد التجمع، اليوم، الرجوع قليلا إلى الوراء، لرؤية أنفسهم كيف تعاملوا مع الوعود والعهود من أجل نصف كرسي اعترفوا في النهاية أنه من حق التجمع، أو العودة بضعة أشهر أخرى لمشاهدة أنفسهم يفرطون المشتركة بأيديهم عشية الانتخابات السابقة من أجل بضع كرسي، ثم أين كانت ما تسمى بلجنة "الوفاق" وقتها، ولماذا لم يكيل أحد بصاعها؟

طبعا، كل ذلك لا يبرر محاولة التجمع إصلاح الخطأ بخطأ آخر، من خلال ما وصفه بسحب التفويض والتخويل الذي منحه للجنة الوفاق، بل كان عليه رد الاقتراح والطلب من اللجنة المذكورة إعادة النظر في اقتراحها، لأنه لا ينسجم مع التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الأحزاب، أو اللجوء إلى أي رد آخر أكثر دبلوماسية يحفظ له مصالحه إلى جانب صيانة سمعته الوطنية في الشارع.

كما أن تجربة الماضي المرتبطة بلجان الوفاق لا تبعث على الكثير من التفاؤل، حيث رفعت لجنة الوفاق الأولى التي رعاها السفير المصري، محمد بسيوني، وأبو مازن عشية اتفاق أوسلو، رفعت دراوشة وهبطت بميعاري وتسببت بسقوط القائمة التقدمية في انتخابات 1992، في ما وصف بأنه "مؤامرة شاركت بها السفارة المصرية واليمين الفلسطيني"، ولا غرابة أن تحالف الجبهة والتجمع الذي تم في انتخابات عام 1996 أنجز بدون "وفاق" ومن خلال مفاوضات مباشرة بين الحزبين، ما عزز الانطباع أن "الوفاق" التي فشلت بإنجاز تحالف عام 1992 كانت عاملا معيقا.

وإذا كانت لجنة الوفاق الحالية قد كسبت شرف اتفاق الأحزاب وتشكيل المشتركة في انتخابات 2015، فإنها فشلت في حل أزمة التناوب التي أمسكت بتلابيبها ولم تتمكن من إنقاذ المشتركة ومنع تداعيها في الانتخابات الأخيرة، بل وقفت كمن لا حول ولا قوة لها حيال تفككها.

وبالانتقال من معالجة قضية الشكل المتعلقة بالتفويض والتخويل إلى مضمون التركيبة المقترحة وترتيب مقاعدها، لا بد من التنويه أن حصول الجبهة على خمسة مقاعد في المقاعد 12 الوحيدة المضمونة، في ضوء استمرار وتفاقم حالة الاستنكاف عن التصويت التي سادت المجتمع العربي في الانتخابات الأخيرة، يجعل الأخيرة تحصل على حصة أكبر بمرتين ونصف من كل حزب من الأحزاب الثلاثة الأخرى التي سيحصل كل منها على عضوين فقط، وهو ما يعيدنا إلى عهد الاستحواذ والهيمنة البغيض.

وغني عن البيان، أن إخراج الحركة الإسلامية الشمالية، بما تمثله من ثقل سياسي، عن القانون شكل إخلالا في التوازن السياسي لساحتنا المحلية، زادت طينه بلة حالة الاستنكاف عن التصويت، المرتبطة بتشريع "قانون القومية"، والتي ميزت الانتخابات الأخيرة وضربت قوة التيارين الإسلامي والوطني وخفضت من تمثيل قائمتهما المشتركة (الموحدة والتجمع) في الكنيست إلى الحدود الدنيا، وإذا ما أدركنا أن هذا التمثيل، بغياب مقاييس أخرى، هو المقياس الوحيد لقوة الأحزاب العربية فإن من شأن ذلك أن يؤثر على مجمل الساحة السياسية ويهدد بعودة الحزب المهيمن على قرارها السياسي.

 

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"