كفّوا أيديكم عن النساء يا عرب ٤٨

كفّوا أيديكم عن النساء يا عرب ٤٨

الأسير ناصر مزيونة أبو سرور

متى استيقظت فيكم قبيلتكم الأولى؟ كنتم غادرتم قريش بلا كلمات وداعٍ طويلة وحطّمتم أصنامها وقلتم في وثنيّتها أبشع ما أبدعته أبجديّتكم من ألفاظ. هدمتم آخر خيمة شهدت على بداوتكم، ودّعتم أنبياءً ورسلًا واستقبلتم بالحفاوة آخرهم وأبرمتم مع الصحراء عقدًا اجتماعيًا جديدًا، رجمتم قديمكم بالحصى وأنرتم بالإيمان ظلمات عمّرت طويلًا، خرجتم إلى النور وصدّقتم خروجكم، حملتم بشارة الشّرق وحبيبات عيسى وأخوات مريم وأمّهات المؤمنين، بايعتم نبيّكم تحت الشجرة وفي الزقاق وخلف الجدار وتحت الجبل، وآمنتم... وفديتم بالأرواح إيمانكم.

متى استيقظت فيكم قريش القديمة! من علّم الآباء والأزواج والإخوة حفر القبور من جديد؟ ومن غطّى بالكذب خجل وجوهكم من طفلة في أوّل صراخها! متى عدتم إلى أكل الكبد وسنّة الوأد وشرعة القتل وادّعاء الفقر والحاجة؟ متى توقّد فيكم حنينكم إلى هند وإلى بيت أبي سفيان الذي ما عاد آمنا؟ في أيّة بوابةٍ زمنيّةٍ سقطت وهوت حداثتكم وبيوت عمّرتموها وثقافات اجتهدتم في ترجمتها وتعريب مفرداتها؟ من أعادكم إلى الكهف وإلى مغارة التاريخ القديم؟ من أشعل فيكم هواجسكم الدفينة حتى طاردتكم أشباحكم متى احتكر رجالكم الأخطاء والصفح والغفران؟ ظننتكم قد تخلّيتم عن اتهاماتكم القديمة ونسيتم نفيكم من جنتكم وتصالحتم مع قلوبكم حين تصّحرا وتخشّنت، صدّقناكم حين عدتم عن ادّعاءاتكم الباطلة وأخرجتم قتيلات نسائكم وبناتكم من قبورهنّ وقدّمتم لهنّ اعتذارًا أخيرًا، متى عدتم إلى عجن أربابكم ثم رحتم تأكلوها عند أوّل جوع أقلق أمعاءكم؟

هل تضعُ حربكم على النساء أوزارها! هل تغمدون سيوفكم التي تآكلت تحت غبار هزائمكم! متى تنتهي أطول حرب في التاريخ؟ حرب غير معلنة وبلا رايات أو طبول، حرب عابرة للصحراء، حرب اتّسعت مساحاتها في البيوت وفي الزقاق وفي أماكن العمل وأياد متحرّشة كبتت شهواتها في عبوات ناسفة، لم تتركوا لنسائكم مساحةً واحدةً آمنةً حتى تحوّلت كل أفعالهنّ إلى مشبوهة وجُرّمن إن قلن أو عبّرن أو رفضن أو تمرّدن، ولوحقن إن أغلقن على أنفسهنّ أبوابهنّ وطوردنَ إن خرجنَ ينوين رزقًا أو منفعة.

كفّوا أيدبكم عن النساء يا عرب ٤٨، لقد شبعت قبيلتكم قتلا ووأدًا فمتى تشبعون تخمة القبور التي غصّت بظلمكم وافتراءاتكم على نسائكم. تُقتل النساء في عين الشّمس ثم تنتظرون حتى يأتي ليل أسود يداري سوءتكم، تسرعون وتهرعون في حمل جريمتكم إلى أقرب مقبرة، لا صلاة ولا مشيّعون، هذا شرفكم المدفون، فأيّ شرفٍ يستقبل وجوهكم وقد تعرّقت واسودّت! أيّة حياةٍ في انتظاركم تستقبل خوفكم الذي دفنتم! كيف تتحوّل يد عانقت وصافحت إلى أداةٍ للقتل! كيف قست قلوبكم وتحجّرت وهل تسفكون إلا دماء أرحامكم؟

رحمةً بالنساء يا عرب ٤٨، وإلا فلا جنّة تنقذكم أو نار تسقط خوفكم الذي دفنتموه عميقًا بعد أن أثخنتم فيه تقتيلا. رحمةً بالنساء يا عرب، فما عدنا نحتمل كلام الرّثاء والعلاج بالدّعاء. رحمةً بالنساء يا عرب فكلّ امرأةٍ فينا قبيلة.

(في الصورة: مزيونة، والدة الأسير ناصر أبو سرور تؤشر إلى صورته - ألترا صوت)