عن شارون و"تدفيع الثمن"

عن شارون و"تدفيع الثمن"

أنطوان شلحت

من الأمور المتداولة في الأدبيات الإسرائيلية أن العمليات الإرهابية المُعادية للعرب التي تقوم بها عصابات ما يسمى "تدفيع الثمن" تجري من دون أي عوائق منذ نحو عقد، ارتكبت هذه العصابات، على مداره، مئات الاعتداءات وأعمال التنكيل ضد الفلسطينيين، سواء من سكان الضفة الغربية أو من أراضي 48.

ويعقد بعض هذه الأدبيات صلة وثيقة بين تلك العمليات الإرهابية وخطة الانفصال أحادية الجانب عن قطاع غزة التي جرى تنفيذها عام 2005، ووقف وراءها رئيس الحكومة السابق، أرييل شارون، مستنداً إلى حقيقة تزامنها مع إقامة هيئة استيطانية في الأراضي المحتلة منذ 1967 باسم "طاقم حومش أولاً"، طالبت بإعادة بناء مستوطنة حومش التي تم إخلاؤها في إطار تلك الخطة في شمال الضفة الغربية، وأعلنت أن الحلّ الملائم لوقف إخلاء مستوطنات، أو هدم بيوت فيها، هو فرض عبء هائل على الجيش والشرطة الإسرائيليين باقتحام قرى فلسطينية مجاورة، والقيام بعمليات هدم فيها أيضاً. وبناءً عليه، لن يكون الثمن ما سيدفعه المستوطنون بسبب هدم بيوت في بؤر استيطانية، وإنما ما سيدفعه الجيش والشرطة عندما سيواجهان ضغوطاً هائلة. 

ولا تعدم الأدبيات أيضاً مقارباتٍ استثنائيةً ترى، في ما ترى، أن عشرات الأعوام من الإرهاب المعادي للفلسطينيين سبقت اعتداءات "تدفيع الثمن" التي وصف الكاتب الإسرائيلي، عاموس عوز، مرتكبيها بأنهم نازيون جدد يهود، فيما كان المفكر اليهودي النقدي، يشعياهو ليبوفيتش، قد نعت مقترفي هذا الإرهاب بأنهم "يودو نازيون" (يهود نازيون). 
ويكشف بحث إسرائيلي جديد صدر أخيرا، أن شارون، الذي يتراءى كما ذُكر بصفته أحد أسباب نشوء ظاهرة "تدفيع الثمن" الإرهابية، كان ضالعاً بنسخة سابقة منها في خمسينيات القرن العشرين، وقتما طارد الإرهابي الصهيوني، مئير هار- تسيون، بدواً أردنيين في منطقة البتراء، وقتلهم "تدفيع ثمن" لمصرع شقيقته. 
في ذلك الوقت، كانت جريمة القتل تلك مرتبطة عموماً بما سُمّيت "عمليات الانتقام" التي قامت بها "الوحدة 101" برئاسة شارون، ولعلّ أشهرها العملية التي ارتكبت فيها مجزرة قبية في تشرين الأول/ أكتوبر 1953، ونصّت أوامر الجيش الإسرائيلي بشأنها على "تنفيذ هدم وإلحاق ضربات قصوى بالأرواح بهدف تهريب سكان القرية من بيوتهم". ووصفها المؤرخ الإسرائيلي، بيني موريس، بالكلمات التالية: "قامت وحدات الغزو بحفنة ضئيلة من المليشيات المحلية أفراد الحرس الوطني، وأخذت تتنقل من بيت إلى آخر في عملية حربيّة ضمن منطقة مأهولة يتخللها قذف قنابل عبر الثغرات المُتاحة، وإطلاق النار عشوائياً عبر الأبواب والنوافذ المشرعة. وأطلقت النيران على السكان القلائل الذي حاولوا الفرار في الأزقة. بعد ذلك فجّر المظليون نحو 45 بيتاً من بيوت القرية، وقتل نحو 60 شخصاً غالبيتهم من النساء والأطفال، ولم تقع إصاباتٌ في صفوف الجيش الإسرائيلي" (كتابه "تصحيح خطأ: يهود وعرب في فلسطين 1936-1956"). 
وربما يجدر التذكير هنا أنه، بعد تلك المجزرة بأربعة أيام، وجّه رئيس الحكومة الإسرائيلية، ديفيد بن غوريون، عبر الإذاعة الرسمية، خطاباً باسم الحكومة، زعم فيه أن مجزرة قبية ارتكبها سكان يهود غاضبون من المستوطنات الحدودية، بعضهم سبق أن نجا من الهولوكوست، وبعضهم الآخر هاجر إلى دولة الاحتلال من "أقطار إسلامية تتحكّم فيها بقوة عادات الأخذ بالثأر". كما ادّعى كذباً أن أي وحدة من الجيش الإسرائيلي لم تغب عن قاعدتها ليلة ارتكاب المجزرة. 
ويجدر أن نعيد إلى الأذهان أنه إبّان ارتكاب مجزرة قبية، ظهرت تحفظات عدّة منها في منابر الإعلام الإسرائيلي، ولكن القيم الأخلاقية لم تكن مبعثها الرئيس، وانحصر نقد المجزرة لدوافع جليّة في مقال يتيم بعنوان "ما بعد قبية"، كتبه ليبوفيتش المذكور سالفاً، وظهر في صحيفة مستقلة باسم "بتيرم" (قبلما) يوم 15/12/1953. وفيه قال إن "الأمة فشلت من الناحية الأخلاقية"، وإن أي محاولةٍ لتبرير المجزرة ستكون أشبه بمحاولة الولايات المتحدة تبرير إلقاء القنبلة النووية على اليابان.