لماذا لم يتفاعل فلسطينيو الـ48 مع انتفاضة المخيمات في لبنان؟

لماذا لم يتفاعل فلسطينيو الـ48 مع انتفاضة المخيمات في لبنان؟

عوض عبد الفتاح

طَرَحَ هذا السؤال الاستهجاني كاتبٌ فلسطينيّ في مقالٍ تحليلي عن انتفاضة اللاجئين الفلسطينيين نشرَه في إحدى الصحف اللبنانية، أشار فيه إلى صدور مواقف رسمية وإلى تنظيم تظاهرات من قبل قوى وهيئات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والشتات في بلاد الغرب، وفي إشارته إلى دور فلسطينيي الـ٤٨، عاب على رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، وقيادة لجنة المتابعة عدم إصدار بيان رسمي، وإن كان رئيسها، محمد بركة، نشر رسالة ومناشدة على صفحته الشخصية.

إن هذا السؤال عن غياب التفاعل، ولو بحدّه الأدنى من قبل الجسم السياسي الفلسطيني داخل المنطقة المحتلة عام 1948، مع انتفاضة اللاجئين الفلسطينيين، ضد القيود الصارمة المفروضة على مزاولة عشرات المهن، لا يعكس أزمة القيادة، داخل هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني، والمناخ الشعبي السائد الناجم عن هذه الأزمة فحسب، بل هو في الأساس يعكس مجمل الأزمة الخانقة التي تنخر في الجسم السياسي الفلسطيني برمّته. ويكفي أن نعرف أن اللاجئين فجّروا غضبهم وانتفاضتهم في ظل غياب الفصائل الفلسطينية كلها، أي ليس بمبادرتها، ولذلك سمعنا جموع المنتفضين تهتف وتصرخ "وين القيادة وين".

أمّا سلطة رام الله، فقد أصدرت بيانا في بداية الأحداث، أيّ بعد أن أعلن وزير العمل اللبناني، كميل سليمان، خطته العنصرية، المؤسسة على سياسة لبنانية رسمية قديمة، فقد دعت المنتفضين إلى احترام قرار الحكومة اللبنانية، مؤكدة مجددًا على حالة الاهتراء التي أنتجتها عقليتها المهزومة.

ربّما لا تعرف مئات الآلاف من الأجيال الفلسطينية الحاليّة، داخل فلسطين التاريخية، باستثناء طلائعهم المتابعة للشأن الفلسطيني والمتفاعلة مع تطلعات شعبنا الوطنية، عن تفاصيل وحجم المأساة التي عاشها ويعيشها هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني، الذي تحمّل تبعات وثمن تجديد انطلاق العمل الفلسطيني الفدائي من الأرض اللبنانية (بعد مذبحة أيلول الأسود عام 1970 في الأردن)، سواء من قبل العدو الرئيسي؛ إسرائيل أو النظام السوري، أو حركة أمل، أو الكتائب والقوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل المقتول أو بقيادة المجرم سمير جعجع، الذي يطبّع معه اليوم جميع القوى السياسيّة اللبنانية المركزية، والأمرّ والأدهى: تطبيع سلطة رام الله.

لقد تعرّضت هذه المخيمات، التي احتضنت المقاومة الفلسطينية وأمدّتها بالرجال والنساء المقاومين، إلى أبشع المذابح راح ضحيتها عشرات آلاف الضحايا والشهداء، ناهيك عن أعداد الجرحى والمشردين. لقد أذهل صمود هؤلاء المقاومين الأعداء الخارجيين والداخليين وأربكهم، كما شحن جموع الفلسطينيين بالفخر والاعتزاز، وعزّز الهوية الوطنية الجامعة، والحاجة لمواصلة النضال من أجل التخلّص من ذل اللجوء والاستعمار والتضييق على الحياة. وفِي الوقت ذاته، أبكت هذه الجرائم المروّعة الشجر والحجر، قبل البشر، وأسالت أنهارًا من الدموع، دموع الأطفال قبل الكبار. واليوم، حيث يبتعد هدف التحرير أكثر من أي وقت مضى، فهل يعقل أن يكون الرد بهذه الدرجة من العقم والبلادة والسادية وفقدان أيّة ذرّةٍ من الإنسانية بدل الأخذ بيد هؤلاء وإعانتهم على التخفيف من معاناتهم الرهيبة الناجمة عن النكبات المتواصلة؟

ليست القيود اللبنانية المفروضة على الحصول على إجازات عمل يطلبها أبناء شعبنا في مخيمات لبنان جديدة، فهي قائمة منذ عقود لكنّ إصدار خطة جديدة تشدد هذه القيود، شكّل الشرارة التي أشعلت النار في الهشيم. لقد تأكد منذ زمن بعيد زيف الحجج وراء منع الفلسطينيين من التملك، ومن مزاولة عشرات المهن، منها الهندسة والطبّ والحقوق كأنّ الهدف من هذه القيود منع التوطين، وإبقاء الشعور لدى اللاجئين بضرورة العودة! ولكنّ اللاجئين سكتوا لزمن طويل على هذه الإجراءات الظالمة، فقد حملوا بالفعل، ولا يزالون، حلم العودة ودفعوا دماءً غزيرة وأرواحًا كثيرة من أجل هذا الحلم.

ولكنّ اللاجئين انبروا اليوم يطرحون السؤال الكبير، وهو سؤال أعادت طرحه الثورات العربية؛ هل سنظلّ محكومين بالجوع والفقر والحصار والتضييق والعيش في ظل الاستبداد إلى حين تحقيق الحرية والتحرير والعودة؟ هل سيواصل الناس، فلسطينييّن وعربًا آخرين، دفع الأثمان الباهظة من أجل أن تستمر نخب الفساد الطائفية والقمع والاستبداد والإجرام في الكرسي الوثير؟

وربّما يتذكر البعض ما قاله القيادي الفلسطيني الراحل، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، شفيق الحوت، "يحبّون فلسطين ولا يحبون الفلسطينيين"، كما نستحضر تعليقًا ساخرًا لعزمي بشارة، في إطار إثارته لقضية اللاجئين في لبنان، في مقابلة مع فضائية "المنار"، التابعة لحزب الله، قبل أكثر من 12 عاما: "هم لا يريدون توطين الفلسطينيين، لكن هذا لا يعني أنّهم يريدون عودتهم إلى فلسطين، بل يريدون تشتيتهم في دول الغرب".

أمّا بخصوص ضعف التفاعل والتضامن الفعلييّن بين مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني، فهي نتاج الخيارات السياسية للقيادة الفلسطينية وإصرارها على تكريس الانقسام كطريق للتهرب من مواجهة المستعمر.

مع ذلك، جميعنا مدعوّون إلى إظهار كل التضامن والتفاعل مع أهلنا في لبنان وفي كل مكان، ففي اهتراء البنى الفوقية، وما ينتج عنها من وعي مزيّف، يصبح نشر الوعي، بأننا شعب واحد، حاجة وجودية، سيتّكئ عليها الجيل القادم في مشوار الحرية والتحرر.