ملاحقة التجمع وخفض السقف السياسي

ملاحقة التجمع وخفض السقف السياسي

سليمان أبو إرشيد

لا شك أن الإعلان عن تقديم لوائح اتهام ضد التجمع وضد النائبة السابقة حنين زعبي والأمين العام السابق، عوض عبد الفتاح، وعشرات الكوادر الآخرين، هي حلقة في عملية مخابراتية منسقة جيدا من أولها إلى آخرها، بدأت بتحويل قضية إدارية تتعلق بالتمويل الانتخابي إلى قضية جنائية، عبر نقلها من مراقب الدولة إلى "لاهف 433"، ليتم إدارتها بعد ذلك بتوجيه من "الشاباك"، وصولا إلى النتيجة التي وصلت إليها، وذلك لاستغلالها في تحقيق هدفين، الأول، ضرب سمعة ومصداقية التجمع الوطنية والأخلاقية في الشارع، والثاني، الاقتصاص من بعض قياداته والعشرات من كوادره.

لقد تورطت مختلف الأحزاب الصهيونية ورموز السياسة الإسرائيلية ورؤساء أحزابها وحكوماتها السابقين، من شارون إلى باراك وأولمرت وحتى نتنياهو، في تجاوزات تتعلق بقضايا التمويل الانتخابي، انتهت جميعها بفرض غرامات مالية على تلك الأحزاب من قبل مراقب الدولة، كما هو متبع، دون أن يتم التحقيق مع مئات الناشطين والمناصرين واعتقال العشرات في إطار عملية بوليسية واسعة النطاق، هدفت إلى دب الذعر في النفوس وضرب الثقة القائمة بين التجمع وقاعدته الجماهيرية، وإشاعة أجواء التخويف من العمل السياسي عموما.

واليوم وبعد ما يقارب الثلاث سنوات من هذه التحقيقات، يعلن عن تقديم لوائح اتهام عشية انتخابات الكنيست وضد رموز الاتجاه الراديكالي في التجمع (حسب تصنيفات السلطة الإسرائيلية)، حنين زعبي وعوض عبد الفتاح، ما يندرج في إطار محاولات ترويض التجمع وحشره في حظيرة المشتركة وتحت سقفها المنخفض.

وفي هذا السياق، نستذكر ما كتبه بروفيسور مردخاي كرمنيتسر، حول تعامل العليا بخطورة بالغة مع مشروع القانون الذي طرحه التجمع، المتعلق بـ"دولة كل مواطنيها" والذي يطالب بنزع الطابع اليهودي للدولة، مقابل تساهل الجهاز القضائي مع "قانون القومية"، الذي أقرته الكنيست، ويسعى إلى نزع الطابع الديمقراطي للدولة وتحويلها إلى "دولة قومية" ذات خصائص دينية تقصي المواطنين العرب وتتنكر لهم وتهينهم.

كرمنيتسر أشار في مقال نشر في "هآرتس"، إلى أن ما أنقذ التجمع من الشطب ومنع قائمته من خوض انتخابات الكنيست الأخيرة، هو غياب مقدمي اقتراح قانون "دولة كل مواطنيها" الذي أسقطته الكنيست، حنين زعبي وجمال زحالقة وجمعة الزبارقة، عن الأماكن الأولى في القائمة، واندراجه في قائمة مشتركة مع الحركة الإسلامية.

ورغم أن العليا ألغت عام 2015 قرار لجنة الانتخابات بشطب النائبة السابقة حنين زعبي، فإن قضيتها كانت تختلف عن غيرها من القضايا كونها تعرضت لمحاولة لتشويه صورتها ومهاجمتها بشكل شخصي كامرأة وتصويرها كإرهابية، على حد تعبير المدير العام لجمعية "عدالة"، المحامي حسن جبارين، الذي ترافع عنها أمام العليا، وذلك لمجرد تضامنها مع شعبها المحاصر في غزّة، وهو عمل وطني وإنساني من الدرجة الأولى.

لقد برز هذا التوجه ضد النائبة زعبي خلال سنوات عضويتها في الكنيست، وذلك لرفضها الانضواء تحت جناح "العرف العام" الإسرائيلي، وكسرها للقوالب التي يحاولون فرضها على اللعبة الديمقراطية، وإن كانت مواقف زعبي لا تشذ كثيرا عن أترابها من التجمع، ومن بعض نواب القوائم العربية الأخرى، فإن ما ميزها هو الاصطدام المباشر مع حالة الإجماع الصهيوني ومواجهة بقراته المقدسة وذبحها.

ويشتق هذا التوجه من إعادة رسم حدود اللعبة السياسية الإسرائيلية والمسموح والممنوع ضمنها، بما يتوافق مع التوجه الصهيوني الديني الذي قاد إلى سن "قانون القومية" العنصري الذي يصطدم بشكل مباشر مع فكرة دولة المواطنين التي يرفعها التجمع ويمثلها بعض نوابه بقناعة تامة.

لقد جاء "قانون القومية" لتأكيد تعريف إسرائيل كدولة يهودية، أصلا في ظل ارتفاع وتيرة الدعوات المطالبة بتحويلها لدولة كل مواطنيها وإزاء "خطر" فقدان الأغلبية اليهودية في ضوء التوجه السياسي والأيديولوجي الذي يتجه نحو ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها وإسقاط حل الدولتين، ومن الطبيعي والحال كذلك أن يضيق الهامش الديمقراطي الذي كان يتسع للتيارات القومية والإسلامية، وأن يترجم ذلك بإخراج الحركة الإسلامية الشمالية عن القانون، وملاحقة قيادات أبناء البلد ورموز وكوادر التجمع، لتسهيل حشره تحت سقف القائمة المشتركة.