تهافت أيمن عودة والأبواب الصهيونية المغلقة!

تهافت أيمن عودة والأبواب الصهيونية المغلقة!

سليمان أبو إرشيد

حقًا إن "من يقرع الباب يسمع الجواب"، كما يقول مثلنا الشعبي، وفي الحالة العينية فإن الجواب الذي سمعه عضو الكنيست أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة، بعد أن تبرع بالتوصية على الجنرال بيني غانتس والانضمام لحكومة برئاسته، كان واضحًا وحاسمًا ومهينًا، وأكد ما ذهبنا إليه دائمًا، بأن الأحزاب الصهيونية على اختلاف تلاوينها، لم تخيب رجاءنا في صد تيار الأسرلة المتهافت، عند الحدود الجديدة - القديمة التي صاغتها دولة اليهود منذ عام 1948، وأعاد قانون القومية العنصري رسمها بالخط العريض في نظام الأبرتهايد الناشئ.

وبهذا المعنى، فإن تعويلنا على عنصرية تلك الأحزاب النابعة من الطبيعة الكولونيالية للدولة التي تنتمي إليها، كان دائمًا أكثر من تعويلنا على الفرامل الوطنية المتآكلة لبعض التيارات وبعض القيادات، ممن هم على استعداد للاندماج على هامش المجتمع الإسرائيلي.

وقد أثبت جواب "كاحول لافان" الذي صم آذان عودة، ومن يروجون لنهج التهافت الذي يقوده، أن غانتس وحزبه أكثر "مبدئية" وصهيونية ويهودية مما يتخيلون، وأنه لن يتخلى عن كل ذلك مقابل منصب رئاسة الحكومة، الذي ستمنحه له أصوات العرب كما قد يعتقدون.

لقد سبق أن رفض شمعون بيرس وإيهود باراك مثل هذا الخيار وخسرا رئاسة الحكومة، بعد أن كانت في جيبهما. الأول عندما آثر رتق الشرخ الذي أحدثه اغتيال رابين في المجتمع الإسرائيلي، وآثر التصالح مع اليمين على التصالح مع الفلسطينيين، وخسر أصوات العرب بعد ارتكاب مجزرة قانا خلال العدوان على لبنان في العام 1996؛ والثاني، عندما فجر مفاوضات كامب ديفيد، وصك مصطلح عدم وجود شريك فلسطيني، وخسر أصوات العرب بعد سقوط 13 شهيدا في الجليل والمثلث خلال انتفاضة الأقصى في العام 2000.

ومن السذاجة السياسية بمكان، أن يعتقد أيمن عودة أن الجنرال غانتس، الذي يفاخر بأعداد الفلسطينيين الذين قتلهم في غزة، سيفاضل بين صهيونيته التي تقوم على تفوق العرق اليهودي، الذي ينص عليه قانون القومية، وبين الحصول على رئاسة الحكومة بأصوات العرب.

في المقابل، من المؤسف أن نرى عندنا المساومة التي لا تعرف الحدود على الثوابت والقضايا الجوهرية، مقابل الحصول على فتات الحقوق "المعيشية". ومن الجيد الالتفات إلى أن القضايا التي طرحها عودة كشروط للانضمام لحكومة برئاسة غانتس، هي بمجموعها قضايا مدنية تلامس حياة المواطنين العرب اليومية، ولا تمس قضيتهم الوطنية – القضية الفلسطينية.

وقد أشارت افتتاحية "هآرتس" في هذا السياق، اليوم الجمعة، إلى أن عودة طلب في المقابلة فقط إلغاء قانون القومية وتجديد المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، وأنه أضاف لاحقا موضوع إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. والحقيقة أن شرط "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية"، الذي عدل لاحقا بـ"إنهاء الاحتلال وعقد مفاوضات لإقامة دولة فلسطينية"، لم يرد في المقابلة، بل كتبه عودة على حسابه في "فيسبوك"، لاحقا، وربما بعد عاصفة الانتقادات التي واجهها.

ومن الواضح بأن تغييب القضية الوطنية التي تشكل عصب الصراع بيننا وبين الصهيونية ودولتها وحكومتها، والاستعداد للالتفاف على هذه القضية لتحقيق مكتسبات يومية وميزانيات وغيرها مما يختص ببنى تحتية وشوارع وشبكات مجاري، هو تجاوز حتى للسابقة التي سجلتها الأحزاب العربية (الجبهة والحزب الديمقراطي العربي) عندما دعمت حكومة رابين من الخارج.

حينها كانت مسألة مفاوضات السلام التي كان يفترض أن تؤدي لإقامة دولة فلسطينية، تقف في صلب هذا الدعم، بينما شكلت المكتسبات اليومية (والتي تحقق الكثير منها) هوامشها، بمعنى أن اقتراح عودة أو اقتراح عودة - طيبي كما أسماه الوزير غلعاد إردان، ليس أنه يتعدى الجسم المانع إلى الاستعداد للمشاركة المباشرة في الائتلاف الحكومي فقط، بل هو يقايض القضية الوطنية الفلسطينية بالقضايا اليومية، ولذلك من غير المستغرب أن يواجه بالرفض والغضب حتى من قبل حزبه وجبهته، وليس فقط شركائه في القائمة المشتركة، وخصوصًا التجمع.

ويحاول بعض المتحذلقين ذر الرماد في العيون، والإيحاء بعدم وجود فرق بين اقتراح عودة للانضمام المباشر لحكومة استيطان واحتلال يرأسها مجرم حرب، دون أن يشترط حتى وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية، وبين ترشيح عزمي بشارة، في العام 1999، لرئاسة الحكومة (في عهد الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة) ضمن مشروعه الاعتراضي (دولة كل مواطنيها)، الذي يقوم على نزع الطابع اليهودي للدولة، وهو ترشيح يندرج في إطار تعزيز هذا المشروع الاعتراضي للصهيونية.

وتكفي الإشارة في هذا السياق، إلى أن هذا المشروع (دولة كل مواطنيها) عندما حوله التجمع إلى اقتراح قانون، رفضت رئاسة الكنيست حتى إدراجه على جدول أعمالها وثبتت المحكمة العليا الإسرائيلية ذلك. ونجا التجمع من الشطب في المحكمة العليا، فقط لأن الموقعين على هذا القانون لم يدرجوا في أماكن متقدمة في قائمته المشتركة مع الحركة الإسلامية في الانتخابات الأخيرة، كما كتب الحقوقي مردخاي كريمنتسير. 

وإذا لم يكن سلخ البعد الوطني عن القضايا اليومية الحياتية ومقايضتها بالقضية الوطنية أسرلة، فليقل لنا هؤلاء المروجون لاقتراح عودة ما هي الأسرلة؟