المثالية عدوٌ خطير...

المثالية عدوٌ خطير...

سهيل كيوان

المثالية هي الوجه الآخر للواقعية، والمثالية المُفرطة  تؤدي إلى نتائج عكسية، مثلها مثل البراغماتية أو إدارة المصالح والصراعات المفرطة، وبالتالي فهي تحمل في أحشائها عنفا وأضرارًا ومشاعر سلبية، لا تقل خطورة عن نقيضها المادي.

يبدو الأمر مناقضًا لظنِّنا بأن الإنسان المثالي هو الأقل عنفًا وأقلّ مشاعر سلبية، فهو يبتعد عن الخطأ والرذيلة، ويقيم جدارًا مرتفعًا وتصورات يبنيها في أعين الآخرين حول نفسه، فهو الذي يعامل أهل بيته وجيرانه وأقرباءه وأصدقاءه ومدرّسيه وطلابه وزملاءه في العمل بمثالية مهما كانوا سيئين، وهو يصرّ على أن يبقى جميلا ومهتمًا بإرضاء كل هم من حوله، وحتى من هم بعيدون، هو الذي لا يريد أن يسمع سوى المديح لنفسه وذويه وأبناء أسرته وأصدقائه ومن يؤيدهم في السياسة والفن والاجتماعيات، فهو ملاك في صورة إنسان أنى له أن يخطئ، ويريد من الآخرين أن يكونوا ملائكة وإلا فالويل لهم.

الخطر في المثالي أنه لا يرى العالم إلا في لونين إما أبيض أو أسود، النقاء التام، أو الوحل والتلوّث التام، لا يعترف بوجود مناطق وألوان وأذواق مختلفة، وفي كل لون وذوق تفرعات كثيرة لا نهائية، لا يعترف بأن حياة الناس والبشر أعقد بكثير من تبسيطها وحصرها في لونين، فضيلة ورذيلة وطهارة وتلوّث، فكلنا مركّب من هذه ومن تلك.

المثالي يتحول إلى شاشة بيضاء، لهذا يصبح عُرضة للتلوث أمام كل زوبعة من الغبار مهما صغُرت، فهو عندما يخطئ في موضوع ما، يظن أن عيون العالم كلها تنظر إليه، ويكاد أن يجنّ لتبرير نفسه وإبعاد شبهة الخطأ عن نفسه، وعمليا هو يستبعد صفة إنسانية عادية يعيشها غالبية الناس.

يتحول المثالي إلى وحش ضارٍ إذا ما شعر بأن صورته المثالية قد خُدشت، ولهذا نُفاجَأ عندما نسمع أنه مارس العنف داخل أسرته، وسبب العنف عادة الصورة المثالية التي يظنها قد اهتزّت بسبب تصرّف أحد أبناء الأسرة، الذي قد يكون تصرّفا طبيعيًا يمارسه أكثر الناس من ذكور وإناث ويحدث في معظم البيوت.

الشعور بالمثالية والطهارة يتحول إلى مشكلة كبيرة عندما يمسك مثاليون زمام الأمور السياسية ويبنون لأنفسهم ولأحزابهم صورة المثال، فهم ضد التجريب، وضد مراجعة الذات، ويبررون الخطأ، ويشعرون بالخطر الداهم أمام كل جديد، ويلجأون إلى ما يسمّونه الثوابت الوطنية أو الاجتماعية أو السياسية، ويرفضون تقييم التجارب واستخلاص العبر، ولا يتسامحون مع أخطاء غيرهم، وهم سريعو التخوين لغيرهم، ويصرّون على مثاليتهم ونقائهم، وهذا قد يضلل بعض الناس لبعض الوقت، ولكنه في مرحلة ما ينفجر، وحينئذ تنقلب الصورة تمامًا، ويضع الجمهور فيهم ما كان وما لم يكن من سلبيات، لأن الجمهور سينتقم ممن خدعه وأشعره بأنه يعيش فوق الغيم.

الجمهور يريد ممثله إنسانا وليس ملاكا ولا بطلا أسطوريا، يريده أن يخطئ وأن يتصرف بعفوية وبغير تصنّع، ويا ويل "المثالي" إذا وقع في خطيئة كبيرة كان يترفّع عنها مثل تلك التي يمارسها الناس العاديون، حينئذ لن يرحموه.

عندما نعترف بأننا قابلون للخطأ في الحسابات السياسية والحياة الاجتماعية، سيوفر علينا هذا الكثير من النقاشات الحادة والاستفزازات المتبادلة التي تولّد الضغائن والعنف.  

طفت في الآونة الأخيرة في مجتمعنا الصغير ثلاث قضايا مهمة، وهي المثلية الجنسية وعرض فنّي في أم الفحم وإعلان رئيس المشتركة أيمن عودة عن استعداده لدخول ائتلاف في حكومة يسار ووسط مع شروط محددة.

من الجيّد الاعتراف بأن هدف القائمة المشتركة في الأساس هو تجميع القوى والخوف المشروع من تبعثر الأصوات واحتراقها، نعم ولأجل تجاوز نسبة الحسم وهذا ليس عيبًا، وفي نفس الوقت التأكيد على أن هناك خلافات سياسية واجتماعية قد تكون عميقة في تصوّر كل حزب، من هذه القضايا الثلاث وغيرها من القضايا سابقا ولاحقا.

كل طرف من مركبات المشتركة له رؤيته، وله الحق في مناقشة الآخرين ومقارعة الحجة بالحجّة، من منطلق أننا نريد الوصول إلى ما هو أفضل لمجتمعنا وقضاياه السياسية والاجتماعية، دون محاولة إلغاء الآخر أو الاستهتار به بل تخوينه. هذا التوجّه من الاحترام المتبادل يعني أن هناك مواقف سياسية أو اجتماعية تمثل حزبًا من هذه المركبات الأربع وليس مركّبات القائمة المشتركة كلها، وهذا سيريح مركبات القائمة من اصطياد البعض لمثل هذه الخلافات واستثمارها لضرب مصداقية المشتركة.

بلا شك أن هناك خلافا بين مركبات المشتركة من القضايا الثلاث وغيرها من قضايا قد تطرأ، ورغم ذلك، فالمؤكد أن ما يجمعنا أكثر بكثير، وخصوصًا أن بعض القضايا المطروحة مثل تصريح أيمن عودة، تعتبر سمَكًا في البحر، ومناقشتها أقرب إلى النقاش حول عدد الملائكة القادرين على الوقوف فوق رأس إبرة، ولكن من حق كل حزب أن يعبّر ويوضح موقفه، دون المسّ بالمشتركة.    

مصلحة الجميع أن يكونوا في إطار جامع واسع، قبل وبعد الانتخابات، مع حفاظ كل مركّب على خصوصيته وعدم فرض وجهة نظر أحد على الآخرين.

فليكن كل واحد منا متصالحًا مع قناعاته الداخلية العميقة الاجتماعية والسياسية أفرادًا وأحزابًا، ولنعترف بأن المثالية المفرطة تسبب ضررًا لا يقل عن أضرار الواقعية المفرطة، فليكن الوسط الذهبي هو طريقنا في تعاملنا السياسي والاجتماعي، الأمر الذي يعني ببساطة حق كل طرف في التعبير عن وجهة نظره وموقفه دون التقليل من احترام موقف الآخر ووجهة نظره، والاعتراف بأننا كلنا أفرادًا وأحزابا؛ قابلون للخطأ في المواقف والتصرفات الاجتماعية والسياسية على حد سواء، وباب الحوار والتفاهم والاختلاف والتسامح مفتوح أمام الجميع. 

اقرأ/ي أيضًا | مجتمعنا بحاجة إلى الحب...

اقرأ/ي أيضًا | أغدًا ألقاك...