يارون لندن... من حضور مؤتمر التجمع إلى المفاجأة!

يارون لندن... من حضور مؤتمر التجمع إلى المفاجأة!

عوض عبد الفتاح

أستغرب لماذا فوجئ الكثيرون من تصريح الصحافي الإسرائيلي يارون لندن.

قد يتفهّم المرء نسيان أو تغير أو انكشاف مواقف هذا الصحافي أو النجم، منذ عقدين، ومعه جموع المثقفين الصهاينة الذين قدّموا ويقدّمون أنفسهم على أنهم ليبراليون وأنّهم على يسار قوى يمينية صهيونية ليبرالية، تلك المواقف التي تم التعبير عنها بعدائية بعد أن سطع نجم التجمع الوطني الديمقراطي ونجم عزمي بشارة، منذ أواخر التسعينيّات، بجمعهما المواطنة الكاملة والمتساوية والهوية القومية المتصادمة مع الأيديولوجية العنصرية التي تقوم عليها إسرائيل.

ولكن لا أستطيع تفهم عدم ملاحظة انتفاخ النَفَس اليميني المبطن في السنوات الأخيرة، ومن دقّق في أداء لندن والنفس الذي كان يتحدث فيه من خلال برنامجه التلفزيوني اليومي، لا بد أنّه اكتشف ذلك. وهذا التحلّل من النفس اليساري، الصهيوني طبعًا، وتبني النفس اليميني، الممزوج بالنزعة الأشكنازية المتعالية، هو حصيلة الانحدار المتزايد نحو التطرّف والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني، بما فيه فلسطينيّو الداخل وحركاتهم الوطنية. تحت وطأة هذا التحول الفاشي، لم يصمد إلا القلائل من هؤلاء المدعين بتبنيهم للقيم الكونية، إذ أيقظ هذا التحول فيهم الأيديولوجية العرقية الكامنة في عقولهم، والناجمة عن التنشئة الأيديولوجية الصهيونية.

إن الشعور بتعاظم قوة الدولة العبرية، في أوساط النخب، خاصّة وأن دول المنطقة العربية تتفكك، يدفع الانتهازيين إلى الانخراط في الجوقة والانغماس أكثر في المشروع الاستعماري، ألم ينتقل الشيوعيون اليهود في أربعينيّات القرن الماضي (والفارق كبير بين الصهيونية الليبرالية والاشتراكية أو الشيوعية) من معاداة الصهيونية والإمبريالية والقومية الشوفينية إلى صفوف الحركة الصهيونية الاستعمارية المرتبطة عضويا بالإمبريالية، وحمل السلاح والمشاركة في قتل الشعب الفلسطيني وطرده من وطنه عندما لاح انتصار هذه الحركة بمساعدة السلاح التشيكي.

عودة إلى الذاكرة

في العام 1996، وعندما كنّا نصعد الدرج إلى قاعة الأنيس في أم الفحم، لعقد مؤتمر حزبنا الجديد، التجمع الوطني الديمقراطي، لانتخاب أعضاء الكنيست، فوجئت عندما رأيت هذا الصحافي يصعد الدرج بتثاقل لحضور مؤتمرنا، وكان الصحافي الإسرائيلي الوحيد الذي حضر. كان التجمع قد عقد مؤتمره الأول التأسيسي، الأهم، قبل ذلك بعام ونصف العام في الناصرة، وصادق على البرنامج السياسي الذي كنّا توافقنا عليه بعد أشهر طويلة من الجهد والنقاش.

تبيّن لي بعد ذلك أن عزمي بشارة كان يحظى باحترام كبير لدى هذه الفئات الإسرائيلية الليبرالية كمثقف ديمقراطي ليبرالي، مع أنّه كان يكتب ويتبنى فكرة الهوية القومية لفلسطينيي الداخل كطريقٍ لتنظيمها وتعزيز هويتها الوطنية؛ وللأمّة العربية كمدخل ضروري لتحديث هذه الأمّة العريقة في مواجهة التجزئة والقبلية والجهوية والطائفية والإقليمية. وربما يعود ذلك الاحترام إلى فترة الانفتاح الليبرالية النسبية القصيرة التي شهدتها إسرائيل، في النصف الأول من التسعينيّات.

وقد بدأ انقلاب هذه الشريحة الأشكنازية ضدّ التجمع وعزمي بشارة، فور اتضاح التوجه والبرنامج الوطني لحزب التجمع (وبالطبع ضد حركات وطنية أخرى)، وبعد أن تحوّلت الفكرة إلى حزب وطني ديمقراطي صاعد، تقوده شخصية فلسطينية ذات خلفية أكاديمية مرموقة، ورؤية تحررية للأقلية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني وللأمة العربية؛ وتتحدّى، من داخل الكنيست، الفكرة الصهيونية باعتبارها فكرة معادية للديمقراطية، ولا تقبل فكرة المساواة. ومن تابع تلك المواقف في تلك الفترة، سيكتشف، بسهولة، أن الشريحة الأشكنازية الليبراليّة كانت أشدّ عدوانية وكرهًا لعزمي بشارة وللتجمع الوطني الديمقراطي من القوى اليمينية. وراحت تتهم بشارة بأنه قومي شوفيني يحمل أيديولوجية قومية متطرفة، وأنه ليس ديمقراطيا أو مقاتلا من أجل القيم الكونية كالمساواة والتعددية، في حين أنّهم لا يَرَوْن أنفسهم بأنهم القوميون المتطرفون، كونهم رأوا وما زالوا بالصهيونية، تلك الحركة الاستعمارية العنصرية، حركة قومية تحررية تنويرية، وبتجسيدها إسرائيل، دولة ديمقراطية ليبرالية. وفاقم من هذه العدوانية التي تمددت إلى كامل المؤسسة الصهيونية بأطيافها المختلفة، انفجار هبّة أكتوبر، هبة القدس والأقصى، التي اتّهمت فيها المخابرات الإسرائيليّة قيادات التجمع في بيان رسمي وعلني، بالمساهمة المركزية في تأجيجها. كما لم يرق للمؤسسة الصهيونية، ونخبها السياسية والثقافية، نجاح عزمي بشارة في توطيد العلاقة مع العالم العربي، بصورة مستقلة وبدون إذنٍ من سلطاتها، ومؤكدًا على أننا جزء من هذا الوطن وهذه الأمة.

وعلى هذه الخلفية، وبسبب هذه المواقف القومية الأصيلة والديمقراطية الحقيقية، بدأ حزب التجمع وعزمي بشارة بالتعرض لحملات تحريضية محمومة ودموية ولملاحقة وتضييق ومحاكمات، ومحاولات متكررة لشطبه من الكنيست. ووقفت الغالبية الساحقة من النخب الصهيونية التي تدعي الليبرالية إلى جانب المؤسسة الصهيونية واعتمدت حملة تحريض دموية، ليس فقط لنزع الشرعية عنهما في المجتمع الإسرائيلي، بل في الأساس، من أجل تحريض المواطنين العرب ضد الحزب وقياداته ومن أجل دفع ممثلي الجمهور العربي، كأعضاء كنيست ورؤساء بلديات وأكاديميين، إلى النأي عن هذا الحزب، وعما يمثله من رؤية ديمقراطية ووطنية.

لقد أقلق المؤسسة الصهيونية ذلك الالتفاف المتسارع حول حزب جديد، يحمل، لأوّل مرّة، معادلة ذكية وديمقراطية وإنسانية، تضع الحقوق الجماعية القومية للمواطنين العرب، بما في ذلك حقّهم في التواصل والتفاعل مع شعبهم الفلسطيني وأمتّهم العربية في صلبها.

إن ما نشهده اليوم من هبوطٍ مروّعٍ في الخطاب السياسي، وغياب عمود فقري وطني لدى غالبية ممثلي الجمهور العربي، من أعضاء كنيست، وأمناء عامين وآخرين، هو استجابة سلبية وكارثية لحملات التحريض، التي يساهم فيها الصحافيون الصهاينة، والذين يجعلون من مقابلاتهم لضيوفهم العرب، تحقيقًا مخابراتيًا، فيخرج هؤلاء الضيوف بوهمٍ مُضلل وكأننا لا نعرف كيف نخاطب الجمهور اليهودي، فنصبح بلا سياسة وبلا موقف وبلا عمود فقري. وهكذا يجري تفريغ الخطاب من مضمونه الوطني.

في مواجهة المؤسسة الصهيونية المتمادية وأبواقها، لا بديل عن الصمود، أي الاحتفاظ بالتماسك السياسي والأخلاقي، والسعي الدائم إلى تطوير فهمنا العلمي لكيانٍ لم يعد يخف أنه كيانٌ كولونيالي وفصل عنصري له دينامياته الخاصة. إن بناء الأوهام من خلال المراهنة على شعار بائس، مثل "إسقاط اليمين"، بدل بناء البديل الوطني والكفاح وتنظيم الناس هو وصفة لتكريس الخسارات والانهيار.

أمام التجمع وكل الوطنيين الذين ما زالوا يمتلكون رؤية تحررية، مهمّة تاريخية، ليس فقط مهمة عدم التراجع عن مواقفه، بل تطوير برنامجه التحرري، والخروج من معادلة مناهضة الدولة اليهودية إلى مناهضة النظام الكولونيالي الاستيطاني العنصري، والانخراط في الجهود الجارية من أجل بناء بديل وطني شامل لعموم الشعب الفلسطيني.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"