من حقّ المسلمين والفلسطينيين الصلاة في حائط البراق

من حقّ المسلمين والفلسطينيين الصلاة في حائط البراق

سامي العلي

الاعتداءات الوحشية والتقييدات على المصلين في المسجد الأقصى، وانتهاكات الكهانيين لحرمته وملاحقة قيادته الدينية الوطنية، واعتقال المرابطات المناضلات داخل أسواره، أصبحت مشهدا يوميا روتينيا، وصلت ذروته، أول أيام عيد الأضحى المبارك، حينما نفذت قوات الاحتلال اعتداء همجيا بحق المصلين والمحتفلين المسلمين.

المتابع لسياسة حكومة الاحتلال بشأن القدس وما تحيك من مخططات تهويد، يدرك جيدًا أن الاعتداء على المصلين والمصليات في مناسبة هامة، وقبل الذكرى الخمسين لحرق الأقصى بأيام معدودات، لن يكون الأول ولا الأخير، لكنه حقيقة الأمر أن ذلك يحمل دلالات خطيرة، ورسالة واضحة للشعب الفلسطيني ولقياداته وسلطته، مفادها أن إسرائيل صاحبة السيادة الكاملة والتامة على القدس والأقصى، الرازحيْن تحت الاحتلال.

أعلنت المرجعيات الدينية الإسلامية في القدس والعالم، حلول عيد الأضحى في 11 آب/ أغسطس، وتعلم إسرائيل بحكومتها وسلطاتها بأن العيد يصادف مع ما يسمى في اليهودية "ذكرى خراب الهيكل" المزعوم، وكانت تدرك أن هذه المصادفة قد تسفر عن مواجهات عنيفة، في حال اقتحمت جماعات المستوطنين الكهانية الفاشية، باحات الأقصى، بنفس اليوم، بحماية ورعاية قواتها الشرطية والأمنية.

في ظلِّ ذلك، يُثار السؤال، لماذا سمحت حكومة إسرائيل للكهانيين دخول الأقصى وحمتهم أيضا، رغم علمها المسبق، بحساسية وخطورة الوضع والموقف في العيد؟ وهي التي تزعم حرصها الزائد في الحفاظ على الهدوء والاستقرار وعلى أمن وسلامة المصلين والمتعبدين في البلدة القديمة والأماكن المقدسة فيها لكل الديانات. 

الجواب هو أن إسرائيل تُريد التأكيد للشعب الفلسطيني وقياداته وللمصلين المرابطين، وتذكيرهم أنها هي وفقط هي، من يحدد لهم أوقات الفرح وأماكن الصلاة، تماما كما تحدد لهم أوقات الحزن وجنازات الشهداء وبيوت العزاء، فهي من يتحكم بحياة شعب بأكمله.

تسعى إسرائيل، ومنذ احتلالها للقدس الشرقية في حزيران عام 1967، إلى تغيير الوضع الراهن في البلدة القديمة والأقصى، من خلال سياسات وإجراءات تقوّض قرار التقسيم الدولي، وتفرض تقسيما إسرائيليا جديدًا للزمان والمكان. وصلت ذروة هذه السياسة عام 2000، عندما تجاوزت التصريحات والدعوات لتترجم لتطبيق فعلي تصعيدي، تمثَّل في اقتحام رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، أرئيل شارون، المسجد الأقصى، وتجوله في ساحاته، وقال حينها إن الحرم القدسي سيبقى منطقة إسرائيلية، فاندلعت المواجهات بين المصليين وجنود الاحتلال، وأشعل فتيل انتفاضة القدس والأقصى (أحداث أكتوبر 2000).

ما تفعله إسرائيل، في العقدين الأخيرين، هو فرض سيادتها على الأقصى بالقوة، وجماعات المستوطنين الفاشية التي تقتحم الأقصى ليل نهار، هي فقط تجلٍ صارخ واحد وترجمة فعلية جلية، لهذه السياسة، التي تدفع لتحويل الصراع من سياسي وجودي وقومي، لصراع ديني، يُغذّي التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى ويجعله وضعا راهنا وحتميا.

إن تصريحات بعض الوزراء والساسة الإسرائيليين، عقب الاعتداء على المصلين في العيد، برهان آخر على سياسة التقسيم الجديد، فضلا عن كونها تُجسّد دعما وتشجيعا لممارسات المستوطنين الكهانيين. من أبرز التصريحات كانت أقوال وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، في لقاء على إذاعة 90 الإسرائيلية، والتي أشار فيها إلى وجود "ظلم" لليهود في الوضع القائم منذ العام 1967، وأنه يجب تغييره من خلال تسويات سياسية وليس بالقوة، تشمل اتخاذ خطوات عملية، لتحقيق وضع يتيح لليهود الصلاة في "جبل الهيكل" أي المسجد الأقصى.

المضحك أن يدعو إردان إلى تغيير الوضع الراهن من خلال ترتيبات سياسية وليست قمعية، مع العلم أن من يحمي اقتحامات الكهانيين ويعتدي على المصلين المسلمين وأهل القدس الفلسطينيين بوحشية، هي قوات شرطة وأمن خاضعة لوزارته وتحت مسؤوليته. هذه التصريحات خطيرة جدًا، ومؤشر للخطوات القادمة، وتحمل في طياتها لربما، مخططا لبناء كنيس أو الاستيلاء على إحدى مصليات وباحات المسجد الأقصى وتحويلها لمكان عبادة لليهود.

تشتق إسرائيل وأذرعها الرسمية والشعبوية الاستيطانية، الشرعية والحق المطلق على الأقصى والبلدة القديمة، من منطلقات دينية بحتة، وليس من منطلقات قانونية ولا من الشرعية الدولية، لاسيما وأن إسرائيل في وضع الاحتلال المحارب للقدس الشرقية.

في ظل القانون الدولي لا يحق للاحتلال المحارب منح حقوق ملكية، كما ينطبق مبدأ عدم جواز الاستيلاء على حقوق الملكية بالقوة في هذا السياق، والقدس الشرقية هي ضمن الأراضي التي احتلت في النكسة عام 1967 والتي يجب على إسرائيل الانسحاب منها وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 242.

لا تنتهك إسرائيل القانون الدولي فقط، بل تستخف أيضا بالوصاية الأردنية على الأقصى ولا تعترف بدائرة الأوقاف الإسلامية والمرجعيات الفلسطينية الدينية في القدس، رغم وجود مجموعة من الأنظمة القانونية التي يعود تاريخها إلى عهد العثمانيين وتُعرف باسم الوضع الراهن (Status Quo) تحكم وضع الأماكن المقدّسة الواقعة في البلدة القديمة.

الاقتحامات الاستفزازية شبه اليومية لقوات الاحتلال وللمستوطنين لباحات الأقصى، والقمع الهمجي للمصلين المسلمين العُزل، واعتقال المرابطات، وملاحقة القيادات الدينية وقتل المتظاهرين الشبان على أبواب البلدة القديمة، وترهيب الأطفال والنساء والرجال والمسنين، وطرد فرحة العيد وسلب السرور والغبطة من قلوبهم، هي تدنيس بشع للمقدسات وانتهاك لحرمة العيد ولحرية العبادة والعقيدة المكفولة في المواثيق الدولية، وممارسات ظلامية تفضح جوهر إسرائيل العنصري وزيف ديمقراطيتها.

تطالب إسرائيل باحترام حق العبادة لليهود وبالسماح لهم بتأدية الصلاة في باحات ما تسميه وفق الديانة اليهودية والأساطير الدينية "جبل الهيكل"-المسجد الأقصى-وأنه من حق الجميع دخول الأقصى دون تمييز، لكنها لا تحترم أنظمة الوضع القائم وتحاول جر الفلسطينيين لحرب دينية دامية، وفي المقابل لا تطالب القيادات الفلسطينية والمرجعيات الدينية ودائرة الأوقاف الإسلامية، بحق المسلمين الديني في زيارة حائط البراق "المبكى-وفق الديانة اليهودية" والصلاة في ساحاته، بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج مثلا، وتحت ذريعة الظلم والتمييز أو صلاة مقابل صلاة، لأنها تحترم وتلتزم بالقانون الدولي وتحرص على بقاء الصراع، صراع تحرر قومي وطني، وتحافظ على الوضع الراهن وعلى أمن وسلامة وحياة المصلين والزوار وعلى حماية المقدسات ولِصَوْن حرية العبادة.

وأخيرًا، إذا كانت إسرائيل تسعى لفرض تقسيم جديد وإحكام سيادتها على الأقصى، بأبعادها السياسية والإقليمية، معتمدة على قوة الاحتلال ومتسترة بروايات زمرة كهانيين فاشيين وجمعيات صهيونية استيطانية، حول أهمية القدس الدينية والتاريخية في الديانة اليهودية، وتغليب هذه الخرافات على القانون الدولي، فعلى القيادات الفلسطينية السياسية والدينية، المطالبة بحق المسلمين والشعب الفلسطيني، بزيارة ودخول حائط البراق لتأدية الصلاة من منطلق حرية العبادة والحق الديني والتاريخي في المكان وعلى المكان وفق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومعجزة الإسراء والمعراج، فربما تلجم هذه المطالبة حكومة اليمين وجماعات المستوطنين القوميين المتعصبين من المضي في السياسات والإجراءات التهويدية الكارثية الهوجاء بحق القدس وأهلها الفلسطينيين.

اقرأ/ي أيضًا | الأسرى بين المعركتين!