تقهقر الأيديولوجية أمام الإستراتيجية

تقهقر الأيديولوجية أمام الإستراتيجية

سامي العلي

أثارت طروحات عالم الاجتماع الأميركي الشهير، دانيل بل، والتي نشرها في السبعينيات عن "نهاية الأيديولوجية" جدلاً علميًا عالميًا محتدمًا، وربما كان السبب أنها طُرحت في سياق عالمي كانت تدور فيه المعركة الأيديولوجية الكبرى بين الشيوعية بصيغتها السوفياتية، والرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية. لذلك لم يكن الجدل حول الفكرة يتسم بالنقاء "الموضوعي" إذ اعترته شوائب الهجوم الرأسمالي على الماركسية، ليتحول الجدل فصلاً من فصول الحرب الأيديولوجية التي دارت بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، خصوصًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.

اليوم وبعد نحو 5 عقود من الجدل العالمي حول "نهاية الأيديولوجية"، وفي سياق الانتخابات للكنيست الـ22 والتحالفات الإستراتيجية الانتخابية بين اليمين واليسار والوسط، يمكن الجزم بأن نهاية الأيديولوجية اليسارية الصهيونية أصبحت قاب قوسين وأدنى.

في مقال نشرته صحيفة "هآرتس"، مطلع آب/ أغسطس الماضي، وصف الشاعر الإسرائيلي يتسحاق لئور تحالف حزب "ميرتس" مع رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك، بخاتمة حتمية لعملية تاريخية تؤكد عدم وجود يسار في دولة أبرتهايد.

بذريعة إسقاط نتنياهو وتقوية معسكر اليسار، عقد حزب "ميرتس" تحالفًا انتخابيًا إستراتيجيًا، ووضع جانبًا أيديولوجيّته اليساريّة، بشأن حل الدوّلتين والاستيطان والاحتلال، وخربش حدود تمايزه عن معسكر اليمين. لربما كان التحالف حتميا وضروريا ليحافظ الحزب على وجوده وليجتاز نسبة الحسم، بَيد أن المفهوم السياسي والدلالات الفكرية والقيمية لهذا التحالف، هو الالتحاق بركب الإجماع في إسرائيل.

اختلطت الأوراق أيضًا في أحزاب "حوسين ليسرائيل" و"يش عتيد" و"تيلم" في الانتخابات السابقة والحالية، لتنتج تحالفا انتخابيا يجمع مرشحين وأشخاصًا يحملون طروحات سياسية وعقائدية مختلفة، تحت غطاء إسقاط نتنياهو كذلك، لتغدو الإستراتيجية أقوى وأهم من الأيديولوجية، وبمعنى آخر، فإن هذه الأحزاب على استعداد تام للتخلي عن فكرها وبرنامجها لدرجة تبني طروحات وسياسات اليمين الاستيطاني المتطرف، خشية وسمها باليسار، وبغية التخلص من نتنياهو والفوز بعرش الملك، بدل طرح بديل فكري ديمقراطي حقيقي، يغير نظام الفصل العنصري وينهي الاحتلال ويحقق السلام والعدل والمساواة. إن عدم رد رؤساء "كاحول لفان" على تصريحات ودعوات النائب أيمن عودة، وتباريهم إعلاميا وسياسيا على من يقدم أبشع سيناريو عسكري للقضاء على حماس وحزب الله، عقب التطورات الأخيرة على الجبهتين الشمالية والجنوبية، براهين أخرى على أن قوة اليسار- وسط قد وهنت، وغدت عقيدته أكثر إمعانًا باليمين والتطرف.

معسكر اليمين كان زاخرًا هو الآخر بالشراكات الانتخابية الإستراتيجية، بدءًا من عودة حزب "كولانو" لبيته الليكودي، وانتهاء باتحاد أحزاب اليمين القومي- الديني الاستيطاني، بَيد أن التحالفات في هذا المعسكر، وخلافًا لغيرها، استندت على أيديولوجيات وجمعت مركباتها برامج سياسية وعقائد متشابهة، قزّمت التباينات والاختلافات بينها، وهوّلت من مخاطر إسقاط حكم اليمين برئاسة نتنياهو وضرورة حمايته من مساعي ما ينعته بـ"اليسار" للاستيلاء على الحكم بالتعاون مع العرب.

فروق جوهرية واضحة بين التحالفات الانتخابية الإستراتيجية المرتكزة على أيديولوجية وبين تلك التكتيكية التقنية الخالية منها، والتي لا تستبعد الجلوس ليمين اليمين لتشكيل الحكومة، لأن همها الوحيد هو خلع نتنياهو عن العرش، لكن لا فروق بينها في السياسات والتوجهات بشأن النظام الاستعماري والاستيطان والحصار والحروب على غزة ولبنان وسورية والحدود والقدس والجولان وحق العودة وعملية السلام. جميعها تكتلت حول موقد القبيلة، وتجاهلت شعبا فلسطينيا يناضل من أجل الحياة والحرية والاستقلال والسلام، ومجتمعا عربيا يحمل أفراده مواطنة إسرائيلية، يناضل من أجل مكانته ووجوده وثقافته وهويته وكرامته ومن أجل حقوقه والعيش بأمان.

وفي ظل معمان التحالفات والحملات الانتخابية المليئة بالتحريض على المواطنين العرب، الهادفة لإسقاط نتنياهو فقط، والتي نسفت الحدود بين اليمين واليسار، تبقى الشراكة والوحدة بين مركبات القائمة المشتركة، المشروع السياسي الإستراتيجي الوحيد، الذي يناهض الاحتلال ويطرح بديلا حقيقيا للنظام الإثني العنصري، ويطمح لحل سلمي عادل. مشروع هام نجاحه واستدامته وتطويره يستدعي العمل وفق برنامج سياسي ديموقراطي وإستراتيجية عمل وخطاب وحدوي من جهة، والحفاظ على تمايز عناصره المثقلة بالأيديولوجية من جهة أخرى، كي نتفادى انزلاق هذا المشروع، أحد أسس تنظيم المجتمع العربي بالداخل، نحو الشعبوية والديماغوغية الخاوية والخطاب الضّحْل، ونحميه من خطورة الانصهار في تحالفات تقنية إستراتيجية، تُفقدُ مركباته طرحها وفكرها وهويتها، فيفقد المشروع بوصلته ويشتتنا أكثر.