الاصطياد في مياه "المشتركة"

الاصطياد في مياه "المشتركة"

سهيل كيوان

مياه القائمة المشتركة ليست صافية، وليست زلالا ولا خالية من المنغّصات والمُعكِّرات، وبعض الناس ليس لهم من عمل، سوى الاصطياد في مياه المشتركة، ولا هدف لهم، سوى التقاط وتلقف سقطة هنا وزلة لسان هناك، بهدف تبرير موقف ما حينًا، وأحيانا بلا أي هدف، ولمجرد إيجاد موضوع لكتابته ونشره على "فيسبوك"، ومن ثم فتح باب حوار بهدف الحوار للوصول إلى نتيجة، وأحيانا لأجل طحن الماء والكلام.  

لقد أصبح عدد الفلسطينيين داخل مناطق 48 أكثر من مليون ونصف مليون إنسان، هذا يعني مليون ونصف مليون شخص يختلف بفكره ووعيه عن الآخرين مثل اختلاف بصمته.

نحن مثل أي شعب آخر على وجه الكرة الأرضية، بيننا وطنيون وقوميون ودينيون ولا دينيون ومثليون ويساريون ويمينيون وليبراليون، ولدينا يمين في القول ولكنه يسار في الممارسة، ويسار في التنظير ويمين متطرف ومحافظ في الممارسة، ولدينا أذكياء وأغبياء ولدينا متزمتون ومنفتحون وبراغماتيون ومتقوقعون، وبين ظهرانينا عملاء للسلطات ومرتزقة، ولدينا مجرمون ولصوص وتجار مخدرات وسلاح، ومن يفضّلون مصالحهم الخاصة على مصالح الجماعة، ولدينا محبو ظهور وزعامة وعشّاق خطابات وميكروفونات وانتهازيون، ولدينا مخلصون وأمناء وشرفاء؛ باختصار نحن شعب مثل الشعوب الأخرى.

القائمة المشتركة مؤلفة من أربعة مركبات فكرية وتنظيمية مختلفة، ولكن هناك اتفاق على أن ما يوحّد كل هؤلاء بمختلف أفكارهم واجتهاداتهم، هو عدم قدرة كل منهم بمفرده على تجاوز نسبة الحسم، ثم -وهذا الأهم- أن الخطر الأكبر يداهم الجميع ولا يستثني منهم أحدًا، ولا حتى أولئك الذين خدموا في جيش وشرطة الاحتلال.

وإذا كانت حكومة نتنياهو قد سنت أخطر القوانين وأكثرها عنصرية، فهو سوف يسنّ المزيد من القوانين الأخطر، ولن يكون بعيدًا ذلك اليوم الذي يسن فيه قانونًا يسحب المواطنة ممن لا يعترف بيهودية الدولة، وغيرها من أفكار جهنمية تأتي بها ذهنيتهم العنصرية.

هذه المخاطر تلزمنا بغضّ الطرف عن هفوات بعضنا البعض، على الأقل في مراحل معيّنة نكون فيها أحوج ما نكون للبحث عن ما يجمعنا ويوحّدنا، وهو كثير جدا.

هنالك من يتساءل، وماذا إذا فشل بيبي نتنياهو؟ فمن هو البديل وما الفرق؟

لم يقل أحد إن البديل ممتاز وهو ما ننتظره، ولم يقل أحد إن غانس ويعلون وأشكنازي وغيرهم هم الخلفاء المنتظرون والمخلّصون، ولكننا في حالة نتنياهو نواجه حالة مغالية في تطرّفها لدرجة أنه كتب على صفحته بأن العرب يريدون قتلنا وقتل أطفالنا جميعًا، وهناك من يصدق هذا التحريض الدموي من بين جمهور الشباب اليهود، وهذا يشكل خطرًا مباشرًا علينا كأفراد، في الشوارع والمساكن والأمكنة العامة، وعلينا واجب أن نرد عليه من خلال بذل كل جهد لإسقاطه، كي يدرك هو وغيره من قيادات من اليمين واليسار والوسط، بأننا  نؤثر بالفعل إذا ما اجتمعنا على رأي، وهذا سيفيدنا في مواضيع كثيرة أخرى.

إذا كانت نسبة المقاطعين بين العرب لانتخابات الكنيست اقتربت من أربعين بالمئة، فهذا يعني أن حوالي 400 ألف صوت لم يمارسوا حقهم في التصويت، معظمهم بسبب اللا مبالاة، والاستهتار، وبعضها حسابات انتخابية محلية ضيقة، ونكاية بهذا أو ذاك من ناشطي الأحزاب، وهناك من يقولون إن مقاطعتهم مبدئية منذ سنين، وهؤلاء بضعة آلاف، وليس مائة ألف ولا حتى عشرة آلاف.

أتساءل أين تكون هذه الأعداد الكبيرة في النشاطات الوطنية الأخرى خارج الكنيست، وفي الميدان ضد العنصرية وهدم البيوت والعدوان والاحتلال.

الحقيقة أننا في المناسبات الكفاحية لا نرى سوى بضع مئات معظمهم من نشطاء الأحزاب، وقلة قليلة من المقاطعين المبدئيين، فأين تختفي أصوات وحضور أربعمئة ألف من غير المصوتين بين انتخابات وانتخابات؟؟ ولماذا يهرعون إلى التصويت في الانتخابات المحلية؟

ثم لماذا يتساءلون؛ أين النواب العرب في كل صغيرة وكبيرة؟ وماذا فعل النواب العرب؟ ولماذا يريدون من النواب العرب تحصيل ميزانيات لبلدياتهم ومؤسساتهم؟

لماذا لم نر مظاهرة لهم تهز الأرض ولا إضرابات ضد منهاج التعليم الجديد الذي يريدنا أن نعلم أبناءنا قانون  يهودية الدولة العنصري؟

المشتركة ليست كاملة الأوصاف، وفيها الكثير من النواقص وعليها الكثير من المآخذ، للتجمعي مأخذ كبير على ترتيب القائمة، ولبعض الجبهويين مأخذ على التحالف مع التجمعي أو الإسلامي، وللإسلامي مأخذ على موقف هذا أو ذاك من قضية مثل المثلية الجنسية، أو على موقف من عرض فني، وموقف هذا أو ذاك من  السلطة الفلسطينية أو مما يجري في سورية والعالم العربي، كذلك هناك استياء في داخل الأحزاب نفسها من تركيبة ممثليها.

رغم كل الخلافات، فنحن في نهاية المطاف ضحايا لنكبة ما زالت مستمرة، والفاشية في مرحلة متقدمة وما زالت تتمدد، لتصبح كاهانية. هذا يعني إهانة العربي والتعرض له في الأمكنة العامة، وفي أمكنة العمل وسرعة الضغط على الزناد باتجاهه، وأن تتحول حياتنا إلى معاناة أكبر، وحتى إلى جحيم.

المشتركة تقول إننا موحدون ومستعدون لمواجهة الحكومة القادمة بغض النظر عن من سيركّبها، والأرجح أنها ستكون حكومة وحدة قومية، في مركزها ليبرمان الذي يزاود على نتنياهو في موقفه من الفلسطينيين وقطاع غزة، وهناك إمكانية جدية ينجح نتنياهو ويشكلها مع الحرديديين والفاشيين من الحزب الكاهاني.

واجبنا أن نرسل أكبر عدد ممكن من نواب المشتركة  بحسناتهم وسيئاتهم ما دمنا نشارك في الانتخابات، أما إذا وصلنا إلى مرحلة المقاطعة التي ستكون لها  تداعيات تؤثر على مجمل وطريقة حياتنا، فيجب أن تؤخذ بقرار شامل وملزم للجميع، حينئذ سيختلف كل شيء جذريًا ولكل حادث حديث.

اقرأ/ي أيضًا | المثالية عدوٌ خطير...