ظاهرة العنف والجريمة يجب أن تعالج من حيث بدأت

ظاهرة العنف والجريمة يجب أن تعالج من حيث بدأت

توفيق عبد الفتاح

لم يعد يغيب عنا كمجتمع ومؤسسات ومتابعين، من أين بدأت تتفشى ظاهرة العنف والجريمة في المجتمع الفلسطيني بالداخل، بمنطلقاتها وأهدافها وأسبابها.

وكنا قد أعلنا عنها منذ أكثر من عقد، وعرضنا أسبابها الاجتماعية، والاقتصادية والتربوية، والسياسية العنصرية، التي استهدفتنا بعد "هبة القدس والأقصى" أكثر وأكثر.

وذلك من خلال الدفع نحو التآكل الداخلي والتدمير الذاتي، بعد أن سطر عرب الداخل أهم صفحة بتاريخهم بعد هبة "يوم الأرض". وقلنا بالخط العريض، إن العنف المجتمعي يشكل تهديدًا إستراتيجيًا لعرب الداخل – كما ترافقت تلك العناوين بالصرخات والدعوات المتكررة للتصدي لها قبل فوات الأوان.

واعتبر بعض القيادات الحزبية أن هذا التوصيف فيه الكثير من المبالغة، ومنهم رئيس القائمة المشتركة، الذي انهمك كما غيره في بناء مستقبله المهني "كريرا" دون أن يعوا وتعي ضمائرهم أن القيادة هي مهمة ورسالة سامية، وليست على الإطلاق "كاريرا". وانهمك كل في أجندته الخاصة والأجندة الفئوية، دون التوقف الجاد عند هذا الملف الحارق واستشراف تداعياته.

وقد يعتقد البعض أن هذا الملف قد أشبع بالتحليلات والتشخيص والتوصيف، لكن كاتب هذه السطور يدعي أن الأمر، وإن كنا قد وضعنا الأصبع على الجرح في بعض جوانبه، وبعضنا قد صرخ مبكرا، غير أنه قد جاء متأخرًا ومتأخرًا جدا.

ولم يحظ النقاش في هذا الملف بحصة معقولة من الاهتمام الفعلي، بقدر ما حظي توزيع المقاعد والتناوب، والجدل والسجالات السخيفة حول توصية المشتركة على أحد الزعماء الصهاينة لتشكيل حكومة صهيونية أخرى، والتفضيل بينها وبين حكومة مرشحة إلى مواصلة التنكيل والسادية ضد مواطنيها العرب، ولم تأبه بملفاتنا التي ستقود إلى تدمير مجتمعي ذاتي بغير رجعة.

وبالتالي، ندعي أن ملف العنف المجتمعي والجريمة ذات وجهين، الأول تربوي ثقافي؛ نتحمل مسؤوليته كمجتمع ومؤسسات أهلية، حزبية، ودينية وسلطات محلية متآكلة.

والسبب الثاني يتمثل بمؤسسة رسمية وأذرعها السياسية والأمنية، المسؤولة عن هذا المخطط الخبيث، للنيل من هويتنا وانتمائنا وتنظيمنا السياسي الحضاري وموروثنا الثقافي الذي يهدد بنيان مؤسسة عنصرية فاشية تتعامل معنا كأعداء، وتبحث ليل نهار عن أقصر السبل وأقلها كلفة لتدميرنا، وأقلها هو التدمير الذاتي، وتسجيل موقف أخلاقي متفوق علينا على كوننا أقلية تحترف السطو والقتل والجريمة.

وبالتالي، على "المشتركة" أن تثبت مسؤوليتها وجديتها، وأن تبدأ بالعمل الجاد لاستعادة ماء الوجه لتحفظ أمننا وصورتنا كأقلية حضارية بمؤسساتها وجمهورها ونضالها وقيادتها، والتأكيد على ربط السياسي بالثقافي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي، كي تكون بوصلة لمن منحهم الصوت، من أجل استعادة الثقة ومطالبة الحكومة - المسؤول الأول عن هذا الملف - من خلال ضغط جماهيري عارم، بإصدار قرار سياسي من الأعلى لمحاربة العنف والجريمة بالمجتمع العربي، كما فعلت بالوسط اليهودي، عندما استخدمت كل التقنيات الحديثة وتفعيل مختلف الأجهزة الأمنية، بما فيه جهاز الأمن العام "الشاباك" والشرطة الدولية "إنتربول".