ملاحظات أوّلية حول ثقافة الخطاب السياسي الرائج

ملاحظات أوّلية حول ثقافة الخطاب السياسي الرائج

جمال مصطفى

تستدعي تفاعلات الظروف المحيطة، وتطور أنماط الحياة، تفعيلا للناس معها من أجل مواكبتها، ويكون التفاعل هذا إما عبر خلق النقيض لهذه الظروف، أو عبر استتباعٍ لمحدداتها وخضوعٍ لها.

في المقابل، إذا قمنا بالإمعان في سيرورة المشهد السياسي الإسرائيلي، سنشهد تطورات ذات وتيرة مرتفعة قد أخذت الخارطة السياسية الإسرائيلية نحو "اليمين" على حساب الهامش الديموقراطي الشكلي فيها، الأمر الذي لن نخوض في حيثياته هنا، بل سنحاول أن نقدّم، على عجالة، قراءة في ثقافة الخطاب السياسي العربي الذي تشكل نتيجة لهذه التطورات.

شاهد الجميع الحملات الإعلامية في الانتخابات الأخيرة والتي سبقتها، وكلمات رؤساء الأحزاب وبياناتهم، التي سيطرت على سوادها الأعظم مقولات مثل "هم يومي وآخر قومي" و"إسقاط اليمين" و"التأثير على الحكومة" وغيرها من المقولات التي لا تحمل محتوى مختلفا. وجميعها تتيح القول إنها لا تدلنا على بناء أو خلقٍ لشيء ما، أو إنتاج خطابٍ يتلاءم والتطورات الراهنة، بل تشير إلى استتباعٍ لما تحدّده تطورات الخارطة السياسية في إسرائيل، وتدل على خطابٍ يجسّد تمظهر علاقة المستعمِر والمستَعمَر، إذا استكان الأخير، في وعيه، علاقةَ منتجٍ قامعٍ لا يمكن هزمه في مقابل مستهلكٍ مكبلِّ اليدين، وهي علاقة لا يمكننا إدراكها دون استيعاب الهيمنة الثقافية التي تفرضها إسرائيل على المجتمع الفلسطيني، وبالتالي تفرض ثقافة الاستتباع والاستهلاك السياسي.

ذلك لأن الخطاب الذي تجب صياغته، في مرحلتنا، واشتقاقه من برامج عمل، هو خطاب يعي جدلية العلاقة بين ظرف الناس (مواطنتهم في إسرائيل)، في مقابل كونهم جزءًا من الشعب الفلسطيني، وجزءًا من نضاله ضد الاستعمار، لا أن ينحاز، وبشكل متطرف نحو الظرف الأول. ويعي حقيقة إنتاج بنية الدولة لحكوماتها، وليس العكس، أي أن سياسات الحكومة تخضع لطابع الدولة الصهيوني، ما ينفي تعويذة التأثير على الحكومة، ويستدعي بناء مؤسسات ذات أجندة وطنية وديموقراطية مستقلة عن الدولة، ينتجها الفلسطينيون، وتعيد إنتاج ذاتها من خلال التفاعل مع الظروف، السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة، الأمر الذي لم نر محاولات في سبيل تحقيقه.

إن أزمة هذا الخطاب تكمن في تجمّد محتواه في الزمن. فهذه المقولات مستحضرة من مراحل سابقة بشكل ميكانيكي، معزولة عن سياقها، وتصدر عن أزمة فكرية يعاني منها العمل السياسي عند الفلسطينيين في إسرائيل، ما يجعل عملية مواكبة التطورات معطوبة. الأمر الذي يخلق هوّةً بين تفاعل ومقاومة المستعمَر مع سياسات المستعمِر، يقع فيها الشعب الفلسطيني في إسرائيل وحيدا وأعزل، أمام مشاريع الأسرلة والترويض، فنشهد أمامنا تشوّها قيميّا يؤدي إلى تصنيف، على سبيل المثال لا الحصر، رفض التوصية على مجرم حرب مثل رئيس قائمة "كاحول لافان"، بيني غانتس، وهذا أضعف الإيمان، تطرفا.

نما هذا الخطاب خلال عملية الفصل بين القضايا اليومية والقومية، عبر ادّعاء الربط، شكليا، بينهم. وهي في أساسها عملية عزل للناس عن العمل السياسي، فقد تُرجمت، في الممارسة، إلى أصحاب "تخصص" في إحدى الأطراف، فمنهم من يختص بالمشاكل اليومية، وهو، لسخرية التاريخ، الشعبوي "القريب من الناس"، وآخر بالمشاكل الوطنية، وآخر بالسياسية. اختصاص يحوّل هذه الصنوف من القضايا المصيرية إلى مهن وورشات عمل لا أكثر، يرتزق منها مختصوها. وهذا، بطبيعة الحال، افتراء واستهانة، قوامهما تغييب الحقل السياسي للصراع، واستجلاب لتشوّه في قيم ومبادئ قوامها ضرورة تسييس "المشاكل اليومية" عبر وضعها في سياقاها، وهو سياق استعماري بامتياز.

بالتالي، فإن دوره الوظيفي بات بمثابة تحريض الناس على وعيهم السياسي والوطني وتسطيح لليومي، وهذا تحريض سياسي بامتياز تقوده التنظيمات السياسية المتنفّذة، عبر إظهار الأخير، معزولًا عن الأول، كمحرّك للناس، وفي سبيله تقوم الأحزاب، وتحت رايته تنضوي خطط وبرامج العمل، وكأن الأقلية الفلسطينية في إسرائيل هي كالأقلية الباكستانية في بريطانيا، لا تعاني إلا من "نقص" في بعض الحقوق المدنية. إلا أن حقيقة الأمر تتمحور حول كون "المشاكل اليومية" هي "المشترك" الوحيد الحقيقي بين التنظيمات السياسية العربية، الذي يطفو على السطح من أجل تثبيت شعارات الوحدة، ومن ثم  تُكنس النقاشات السياسية تحت سجادتها.

يقوم هذا الخطاب ويقوى عبر منطق عابر للمنطق، يجرّد الواقع المادي الذي نعيشه من العلاقة الجدلية بين الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتكملة كل واحدة للأخرى على أرضية مادية واحدة. ومفاد اللا - منطق هذا أن العمل الوطني والخطاب السياسي بعيدان عن الناس. وهنا يحق لنا أن نسأل ما هي ماهيّة السياسة في عملية تحرير شعب قابع تحت الاستعمار؟ هي بالتأكيد ليست ورشة عمل أو مهنة، وليست حديثا عن مقاعد الكنسيت وما إلى ذلك من أشكال العمل السياسي الهابط التي نشهدها، بل هي عملية نحت في الواقع المادي الذي نعيشه يوميا، وعملية استنباط معنى للظروف المحيطة، تساعدنا على ضمان ديمومة تماسكنا، وتوجيه حركتنا في مواجهة الاستعمار والتصدي لمشاريعه.

ويحاول، منطق الخطاب، مراوغا، في سبيل ضمان ديمومته، تأجيل النقاش السياسي والجوهري، عبر وصفه بغير الممكن وغير الواقعي، حتى يبلى ويتلف. فيستحيل، إذا خضع للتأجيل، ساكنًا غيرَ قابل للتطور، بعد أن تراكمت عليه طبقات غبار خلّفها الانشغال بفتات حقوق مدنية تأخذ من على هامش الخارطة السياسية في إسرائيل. الأمر الذي ينتِج، من بين ما ينتجه، تهافت نظريات التأثير على الحكومة الإسرائيلية، وجميعها كانت شعارات القائمة المشتركة في حملتها الإعلامية للانتخابات، من أجل معالجة "الهم اليومي" وتضخيم الخطر الذي سيلحق بمستقبل الأبناء والظروف المعيشية، إذا ما قَلّ هؤلاء المؤثرون على مختلف تخصصاتهم.

إن الاعترافات الضمنية والإفرازات المؤسفة التي يحملها هذا الخطاب وهذا النهج لا نهائية، وهي تبدأ من التسليم بأن مفاتيح الحل والربط بيد إسرائيل. أمّا نحن الفلسطينيون، فحولُنا وقوتُنا سقفهما الطاعة، وعرضهما الكنيست، ومدى التأثير محصور بينهما. ولا تنتهي بمشاريع أسرلة وترويض تأتي على شاكلة خطة 922 التي صدّع "المختصون" رأسنا بها، أو التوصية على صهيوني يكن العداء للفلسطينيين مثل غانتس. أما البراهين التي يستعملها هذا الخطاب، فإنها تطل علينا من خلال مقولات معلّبة ومقولبة، مفادها، مثلا، الفرق بين آليات النضال من أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين في مقابل تعبيد الشوارع؛ وهذا صحيح، لكنه لا يفرض، إطلاقا، هذا الكم من التركيز على "تعبيد الشوارع" في مقابل نسيان قضية اللجوء.

إن ثقافة الخطاب، أيا كانت، لا تسقط من السماء، ولا يقررها أصحابها بشكل ذاتي، بل هي تعبير عن موقع الخطيب وتموضعه في الصراع، وهو، في حالتنا موقع مرتبط عضويا، بعد سنوات التبعية للسياسة الإسرائيلية، بالبرلمان وقوانين أساس إسرائيل، وهو موقع ذو بنية لا ترى خارج حدودها.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ