حقيقة المشروع المُسمّى "مستوطنات"

حقيقة المشروع المُسمّى "مستوطنات"

أنطوان شلحت

استحوذ وهم على بعضهم بشأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي انتظمت في 17 الشهر الماضي (أيلول/ سبتمبر)، والذي تسبّب بكيفيةٍ ما باستنبات "بُشرى" سقوط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو منها، لم يكن حكرا على بعض مركبات القائمة العربية المشتركة، كما وشت بذلك تصريحات بعض قادتهم، ولا تزال تشي، بل انسحب أيضا على جهاتٍ إسرائيلية مناهضة للاحتلال، على غرار المعلق الصحافيّ جدعون ليفي، من صحيفة هآرتس، فقد خفّ إلى كتابة تحليل يوم 22/9/2019 استنتج فيه أن المستوطنين واليمين الدينيّ والصهيونية الدينية هُزموا، مستندا بالأساس إلى عدم تمكّن قائمة "قوة يهودية" التي تضم أيتام الحاخام مائير كهانا، من تجاوز نسبة الحسم، وإلى فوز قائمة تحالف أحزاب اليمين المتطرّف "يمينا (إلى اليمين)" بسبعة مقاعد في الكنيست (البرلمان) الجديد.

ويرى ليفي أن هناك عدم تناسب بين الوزن التمثيلي للقوى التي يدّعي أنها هُزمت وقدرتها على ابتزاز المواقف السياسية، حتى ضمن الحكومات الإسرائيلية السابقة التي كانت في سدّة الحكم قبل صعود حزب الليكود إليها عام 1977، ويُعرب عن أمله في أن تترجم هذه الهزيمة إلى تراجعٍ في كل ما يرتبط بهذا الابتزاز.

لا يتطرّق ليفي، حتى لا نقول يتجاهل، عدة وقائع كانت ملازمةً لهذه الانتخابات، في مقدمها أن ما طغى عليها هو النقاش بشأن مسائل داخلية، وتحديدا مسألتي الدين والدولة، والحيز الديمقراطي ومؤسساته وأدواته، فضلا عن شخص نتنياهو الفاسد نفسه، فالفروق بين الأحزاب الصهيونية إزاء القضية الفلسطينية، من حزب العمل وحتى أحزاب اليمين، تكاد تكون شكلية، علاوة على غياب النقاش بشأن هذه القضية في السجالات الانتخابية.

ولا شك كذلك أن جدعون ليفي مدرك حقيقة أن هذه الانتخابات أظهرت مبلغ سيولة الناخبين بين الأحزاب والقوائم المتعدّدة، ولكن مع ملاحظة أن هذه السيولة بقيت محصورة داخل المعسكرات السياسية التقليدية، ولم تتسلل خارجها، كما هي الحال عموما في الحلبة الحزبية الإسرائيلية منذ سنوات كثيرة.

الأكثر إثارة هو رؤية الكاتب أن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 ليست أكثر من مشروع للمستوطنين المنضوين ضمن القوى التي اعتبرت أن نتائج الانتخابات كانت بمثابة هزيمة لها، ناهيك عن اعتبار هذه القوى أقلية في صفوف المجتمع الإسرائيلي، وهي المسؤولة عما يسمّيه "المسخ الاستيطاني" الذي يعدّه "العملية الأشدّ إجراما والأكبر ضررا في تاريخ الدولة"، عبر الخداع والتحايلات.

أثارت رؤية ليفي هذه حفيظة زميلته، عميرة هس، فكتبت يوم 24/9/2019 ردّا بليغا استهجنت فيه اعتباره المستوطنات نتاج تلك القوى، لا نتاج سياسة دولة الاحتلال. فعلى الفور بعد العام 1967، تطلعت إسرائيل التي كانت تحت حكم حزب مباي إلى تلك الأراضي الفلسطينية يحدوها الأمل في تعديل الفرصة التي فوتتها عام 1948. ولم يكن المستوطنون لينجحوا في ابتزاز الحكومات وخداعها، لولا أنها نفسها استدعت ذلك، على الرغم من أن تلك الحكومات برز فيها أشخاص علمانيون. وبسبب التعريفات المضللة للقاموس السياسي الإسرائيلي، فإن تيار هؤلاء وبقاياه المترهلة لا تزال تسمّى "يسارا".

وتعيد هس الأمور إلى نصابها، في قولها إن حكومات "الليكود" مدينة لـ"مباي" بالكثير، مثل: الأجهزة الحكومية الاستيطانية والتهجيرية التي عملت قبل إقامة الدولة وبعد ذلك؛ قانون الحاضرين- الغائبين؛ تدمير قرى وطرد سكانها في منطقة اللطرون؛ طرد سكان هضبة الجولان؛ ضم القدس الشرقية والقرى المحيطة بها من خلال مصادرة كثيفة للأراضي الخاصة وبناء المستوطنات عليها؛ الإعلان عن مناطق عسكرية مغلقة من أجل منع وصول الفلسطينيين إليها، وتحديدا غور الأردن وجنوب جبل الخليل؛ مصادرة صلاحية التخطيط والبناء من المجالس المحلية الفلسطينية...إلخ.

أكثر من ذلك، بقيت هذه الأحوال حتى إثر اتفاقات أوسلو التي يتّضح، بمرور الأعوام، أكثر فأكثر أنها كانت أشبه بشرك أو طوق استمر بموازاته تطبيق المشروع الاستيطاني الذي أنتجته سياسة الدولة، وانطوت على قاعدة فلسفية وجوهرية للتعاون مع القوى التي يُدعى أنها هُزمت الآن، من دون أن يكون لهذا الادعاء أي سندٍ في الواقع.

(العربي الجديد)

اقرأ/ي أيضًا | بعض الظنّ إثم