القتل يمكن بالوكالة لكن النضال لا يكون بالتوريات

القتل يمكن بالوكالة لكن النضال لا يكون بالتوريات

حنين زعبي

المظاهرات والإضراب، سؤال النفس والإستراتيجيّة وليس سؤال الآلية


نجحت الردود الشعبية العفوية بعد جرائم القتل الأخيرة، خاصّة في مجد الكروم، وتلك المنظمة بعد دعوات المتابعة، في طرد أجواء السلبية وقلة الحيلة وحتى الانضباط الباتر للقوة، كما نجحت في دفع الشارع والأحزاب للالتحام حول تحرّكٍ شعبي (لكن ليس حول حراكٍ بعدُ) وفي ربطه بمطلب عيني (ولكن ليس حول رؤيةٍ سياسيّةٍ بعدُ). كما نجحت هذه المظاهرات، بالغضب والانتشار الذي شهدته، في تعبئة الشارع بشكل غير مسبوق حول أجندة واحدة: محاربة الجريمة والشرطة المتواطئة معها، كما نجحت في تمرير رسالة قوية مفادها أن لا أحد يستطيع أن يكون خارج هذا النقاش، وبغض النظر عن موقعه وموقفه منه ومن تداعياته وفروعه المختلفة.

ومن وقف ضد المظاهرات وضد دعوة لجنة المتابعة لها، ومن شكّك فيها بطريقة غير مسبوقة الحدّة، عليّ أن أقول، فعل ذلك لأنه حكم عليها وفق المخزون السياسي الذي نملكه والذي سيطرت عليه السياسات التقليدية والجامدة في العقد الأخير، ولم يحكم عليه وفق ديناميكيات متدحرجة قد يغلب فيها غضب الشارع على جمود السياسة، أو قد يفتح ويفرض فيها الغضب آفاقا، قصّر النهج القيادي السائد مؤخرا في استيعابها.

بالإضافة إلى ذلك، نحن نحمّل الأدوات ما لا قدرة لها على حمله، فالمظاهرات لا تنجح ولا تفشل، بل الإستراتيجية أو السياسة التي وراء المظاهرة هي التي تنجح أو تفشل، وانعدام الإستراتيجية أو حضورها هو الذي ينجح أو يفشل. قد تختار السياسة أن "تستعمل" المظاهرة كتعبير "دبلوماسي" منضبط ومحكوم بحسابات العواقب والنتائج، وقد تتعامل معها كفعل سياسي غير منضبط ومفتوح على آفاق جديدة وكاسرٍ لقوانين اللعبة في واقع من القمع منفلت الرسن. قد تكون السياسة أضعف من أدوات الاحتجاج المتاحة لها وأضعف من غضب الشارع، وقد تنجح في استثمار الأدوات والغضب. وليست المظاهرة وليس المتظاهرون هم من يحددون إن كانوا يستطيعون استيعاب الديناميكيات المختلفة التي ينتجها أو يتيحها فعل الغضب الشعبي، بل السياسيون هم من يفعلون ذلك، وأحيانا هم أيضا قد لا يختارون ذلك، أو قد يختارونه مجبرين كي لا يجرفهم غضب الشارع.

مطالبة شرطة تعادينا؟ المطالبة كصياغة وعي وحدود لا كإستراتيجية نضال  

الجدل المركزي الثاني هو "كيف نطالب من شرطة تعادينا"؟ الشرطة غير معنية بمحاربة الجريمة، وهي متواطئة وشريكة في الجريمة فكيف نوجه لها مطالبنا؟ الدولة العبرية أيضا غير معنية بالعدالة أو بالديمقراطية، فهل أسقطنا أو هل نسقط خطاب (المطالبة بـ) العدالة والديمقراطية؟ هل يؤسس عداء الآخر لك لمنطق إسقاط حقوقك أو عدم المطالبة بها، أم أن هذا العداء هو ما يؤسس - وأحيانًا يغذّي - مطالبك ومطالباتك؟

من تظاهرة الأمس في مجد الكروم (عرب ٤٨)
من مظاهرة مجد الكروم، أمس (عرب ٤٨)

نحن نطالب الشرطة ليس لأننا نثق بها، وليس كخطاب بناء ثقة (وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، يريد خطاب المطالبة كخطاب إعادة بناء ثقة)، بالعكس، خطاب المطالبة يشير بوضوح إلى كون الشرطة متواطئة، ونحن نستعمل بوعي خطاب المطالبة كإحدى آليات المحاصرة والضغط، وليس أقل من ذلك ،كإحدى آليات تعبئة وتوجيه الغضب وتسييسه نحو عنوان صحيح. هنالك دور سياسي لوعي المطالبة ولخطاب المطالب حتى قبل تنفيذها، وحتى بغض النظر عن تنفيذها قصير المدى، والخروج من المطالبة هو خروج من السياسة، كما أن الانحصار في المطالبة هو خروج من السياسة أيضا. دور خطاب المطالب هو تثبيت المجموعة كصاحبة حق، ثم تعبئة الناس حوله، والمطالب تعطي أحيانا هوية سياسية، مطلب دولة المواطنين أو دحر الصهيونية هو مطلب/ رؤية يصلب هوية سياسية بالذات ضمن الزمن الذي لا ينفذ فيه، ثم يسقط دوره هذا بالتنفيذ. خطاب المطالب يموقعك كصاحب حق ويموقع الآخر كخصم ويموقع الصراع بينك وبينه. والفرق بين الكيانات المعادية والكيانات الصديقة لا يكمن في أن الأولى لن تستجيب لمطالبك والثانية ستستجيب، بل في أن الأولى تستجيب فقط بعد شعورها بفقدان السيطرة، فيما استجابة الثانية غير خاضعة بالكامل ولا حصريا لحسابات القوة والسيطرة.

وإذا كان وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، يتحدث اليوم عن "إعلان حالة طوارئ" وعن خطة، فقط قام أعضاء الكنيست بتلك المطالبات بصورة مكثفة وحثيثة إلى أن أصبحت القضية تحتل جزءا كبيرا من انشغالنا السياسي وذلك في السنوات الخمس الأخيرة. ثم قام أعضاء الكنيست بأنفسهم بوضح تقارير وتوجهات وجلسات بالعشرات، دون أي مبالغة، وبالمطالبة بخطة تم تفصيل أهدافها وجوانب عملها دون أن يكون ذلك من مسؤوليتهم، تم تسليط الضوء فيها على الجوانب التالية: جمع السلاح، عدم إعطاء رخص سلاح جديدة وعدم تجديدها، التحقيق في نظم عمل وحدة التحقيقات داخل الشرطة وتغيير أنظمتها (الضعف المقصود ليس في وحدة الاستخبارات داخل الشرطة التي تعرف عن الإبرة في مجتمعنا، بل في قسم التحقيقات)، وتشمل: التلاعب بالمعطيات، إخفاء أدلة، عدم إنفاذ التحقيق رغم معرفة هوية القاتل، التلاعب بالشهود، عدم حماية شهود، الوشاية بالشهود، عدم التحقيق مع شهود، إخفاء أدلة، عدم طلب أدلة رغم معرفة وجودها، عدم فحص كاميرات وأدلة مصورة. ملاحقة حوادث إطلاق النار والتهديد مع تطوير بنك معلومات حول الموضوع، محاربة عصابات الجريمة (وتم إيضاح علاقات تعاون الشرطة معها في عدة تقارير ومراسلات لمراقب الدولة، والمعلومات والمصالح المتبادلة بين الطرفين، وفذلكات الشرطة في القبض على السمك الصغير – الجنود بالعبرية- وإبقاء الحيتان حرة طليقة)، إنهاء دور لجان الصلح (وضحت المطالب والتوجهات دورها في انفلات المجرم من جريمته وفي تعزيز قوة عصابات الجريمة)، تفعيل مراقبة ونظم جديدة تتعلق بالسوق السوداء، وضع برنامج لتأهيل السجناء، برنامج للعنف في العائلة ( يشمل العديد من البنود)، وضع برنامج لحماية الشهود، إعادة النظر في برنامج "مدينة بلا عنف"، شفافية وتغيير في طريقة تقديم الشرطة للمعطيات والكف عن الكذب بما يتعلق بنسب الجريمة التي تم تفكيك رموزها.

وتم تجميع عشرات الحالات كأمثلة عن كل بند من البنود التي ذكرت، كما تم تقديم قوائم بأسماء شخصية مستعدة للإدلاء بشهاداتها أمام مراقب الدولة، كما يستطيع أي مراجع لمحاضر جلسات لجنة الداخلية أو لجنة مكانة المرأة، التي ترأستها الزميلة عايدة توما، خلال السنوات الأربع السابقة، الاطلاع على كم العمل المهني والحثيث في الموضوع.

تبقى هنالك مشكلة، ومشكلة جدية، أو مشكلتان، الأولى: أنه لا السياسة ولا النضال يستطيعان الاقتصار على المطالب بل نحن نحتاج لخطاب ونضال سياسي كامل مرافق لخطاب المطالب، الثانية: الخوف بأن يتدحرج النقاش حول المطالب لعملية تطبيع بيننا وبين الشرطة؛ وسنأتي على ذلك في مقال قادم، كما سنأتي على قضية الجريمة في المجتمع العربي كقضية تشويه اجتماعي وسياسي مرافق لنشوء إسرائيل من جهة، وعلى أنقاضنا ولعدم تطوير مرجعيات ذاتية من جهة أخرى، والوقفة الذاتية التي نحتاجها بهذا الخصوص، ثم سؤال: "لماذا الشرطة أولا، وما هو الخطاب أو الرؤية الذي عليه أن يرافق خطاب المطالبة والتواطؤ، ثم ماذا بالتوازي مع تسليط الضوء على تواطؤ الشرطة"؟