"تلفريك"... سيحول "الحوض المقدس" إلى "ديزني لاند" يهودي

"تلفريك"... سيحول "الحوض المقدس" إلى "ديزني لاند" يهودي

سليمان أبو إرشيد

الكاتب المختص بنقد الفن المعماري في صحيفة "نيويورك تايمز"، مايكل كميلمان، والذي زار القدس مؤخرًا للوقوف عن كثب على "مخطط القطار الهوائي" (تلفريك)، الذي تعتزم إقامته بلدية الاحتلال لربط شرقي المدينة بغربها، وصف المشروع بأنه سيحول "الحوض المقدس" إلى "ديزني لاند" يهودي. 

الكاتب الأميركي اليهودي ميز أن الفكرة التي تقف من وراء هذا المشروع، هي محو الطابع الخاص للقدس وتأكيد هيمنة البعد اليهودي، وتوسيع سيطرة إسرائيل على أجزاء المدينة العربية، وقال في مقال نشرته الصحيفة عن الموضوع، إن القطار يتجاهل بشكل كلي وجود قرية سلوان التي سيقام داخلها ويمر من فوق بيوتها، ويعكس التوجه العام نحو سكان المدينة العرب ونواحيها، وهو جزء من إستراتيجية عنيفة تهدف إلى الإثقال عليهم وزيادة معاناتهم، بهدف إقصائهم عن المدينة. 

المقال الذي جاء تحت عنوان "قطار فوق القدس"، دحض الادعاء القائل إن المشروع هو بمثابة حل وظيفي لقضية المواصلات، كما يدعي المبادرون لإقامته، وأورد على لسان رئيس بلدية الاحتلال السابق وعضو الكنيست الحالي من الليكود، نير بركات، قوله إن "القطار الهوائي" هو مشروع صهيوني، يهدف جلب زوار إلى "مدينة داود"، التي ترمز إلى "السيادة اليهودية" على البلاد.

ويثير "القطار الهوائي"، إلى جانب معارضة الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين يستهدف تغيير معالم عاصمتهم السياسية والروحية وقبلتهم الأولى، معارضة أنصار حماية الآثار والمعالم التاريخية في إسرائيل والعالم، إذ وقع مؤخرا 35 شخصًا من كبار المهندسين المعماريين ومؤرخي الفن المعماري العالمي، على عريضة يعربون فيها عن مناهضتهم الشديدة للمشروع الذي سيغير الوجه التاريخي للقدس.

مخطط  "القطار الهوائي" الذي صادقت عليه  لجنة البنى التحتية الإسرائيلية، مطلع العام الجاري، وذلك بعد أن أقرته الحكومة الإسرائيلية ورصدت له ميزانية أولية بقيمة 200 مليون شيكل، يربط جبل الزيتون بساحة البراق، وشرقي  القدس بغربها، ويعتمد إقامة ثلاث محطات؛ تبدأ الأولى من الشطر الغربي للمدينة؛ والمحطة الثانية ستتوقف عند حائط البراق من جهة باب المغاربة، بمحاذاة المسجد الأقصى كاشفاً باحاته، وتشكل البؤرة الاستيطانية "كيدم" في بلدة سلوان الخاصرة الجنوبية للمسجد الأقصى، إحدى محطاته ثم يواصل إلى محطته الأخيرة في قمة جبل الزيتون.

ووفقًا للتخطيط، سيشمل المشروع بناء 25 عامودًا ضخمًا من الإسمنت المسلح بارتفاع 26 مترا، فيما يتألف القطار من 73 عربة، تكون كل عربة قادرة على نقل ما يصل إلى عشرة ركاب، بحيث يكون قادرًا على  نقل حوالي 3 آلاف راكب كل ساعة. ويبلغ طول الخط الهوائي 1.4 كيلومتر.

المخطط الذي جاء بعد تدشين الحدائق التوراتية بالقصور الأموية  وشبكة الأنفاق بساحة البراق، لتمدد تحت القدس القديمة وعين سلوان، وبعد المصادقة على مخطط لإقامة متنزه في جبل الزيتون المطل على القدس القديمة، ومشروع "أوميغا" السياحي الاستيطاني أو ما يعرف بـ"النزول على حبل"، وكلها مشاريع تهدف إلى تهويد المدينة المقدسة وتعميق السيطرة الإسرائيلية عليها. المخطط يواجه بمعارضة محلية وعالمية، من باب المساس بالمنظر العام للبلدة القديمة كمعلم تاريخي.

وفي هذا السياق، يوجه كميلمان نقده للمخططين القائمين على تخطيط المدينة المقدسة، كونهم لا يأخذون بالحسبان الطبقات المختلفة لواقع القدس الخاص، بصفتها إحدى المدن التاريخية الهامة في العالم، وأن مخططي القطار الهوائي لم يأخذوا بالاعتبار كون القدس "مدينة حجر قصيرة القامة"، تمثل تراثا عالميا، وأن سحر الماضي الذي تتمتع به والذي تم الحفاظ عليه حتى السنوات الماضية جذب، إضافة إلى طابعها متعدد الثقافات، إليها ملايين السياح من أرجاء العالم، علمًا أن وجهة الكثير منهم لم تكن نحو "حائط المبكى" (ساحة البراق)، لأن القدس، كما يقول، ليست مدينة يهودية فقط.

ولا يقتصر نقده  لمنظومة التخطيط في القدس على كونها تتحرك انطلاقا من مصالح سياسية فقط، بل أن مستواها المهني، كما يقول، لا يناسب مدينة هي بمثابة أيقونة تاريخية ذات معان خاصة، محذرًا من أن الطابع الخاص للقدس يتعرض لتغيير أبدي، وأن "القطار الهوائي" من شأنه إحداث نقطة تحول، إذ إن سحر المدينة الخاص سيتبدد وتغرق في سوق سياحية رخيصة محاطة بأبراج سنغافورية، على حد تعبيره. 

يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي الذي فشل في تغيير وجه المدينة المقدسة، رغم ما فعله فوق وجه الأرض من تغيير في معالمها، وما يقوم به من فتح سراديب وأنفاق ونبش في طبقات التاريخ تحت أرضها، لم يجد وسيلة سوى اعتلاء سمائها لحجب الرؤية، وطمس وجه القدس التاريخي العربي الإسلامي المسيحي.