مطلوب تحرير التعليم العربي ممن تعمدوا إفساده

مطلوب تحرير التعليم العربي ممن تعمدوا إفساده

سليمان أبو ارشيد

لن أضيف إلى ما قاله الخبراء في أسباب الفشل المدوي للتعليم العربي، الذي أكدته نتائج امتحانات "بيزا" الدولية، والتي بيّنت أن الفجوة القائمة بين الطالب العربي والطالب اليهودي تقدر بثلاث سنوات تعليمية، ما يعني أن الطالب العربي في الصف التاسع هو بمستوى الطالب اليهودي في الصف السادس الابتدائي.

ولن أضيف كذلك إلى ما أظهرته النتائج، إلى جانب المزيد من التراجع وتعميق الفجوة العامة القائمة، أن نسبة "المتميزين" العرب تطمح إلى الصفر (حصلوا على علامات عالية) في حين أن نسبة من فشلوا في كل المواضيع بلغت 22%، وهي مصيبة أخرى، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن النتائج الصادمة كشفت الكذبة التي صدقناها في السنوات الأخيرة، والمتعلقة بـ"تدفق الميزانيات" و"حصد النجاحات" حتى في زمن الحكومات الأكثر عنصرية، حكومات نتنياهو، ووزراء التعليم الأشد فاشية، نفتالي بينيت ورافي بيرتس.

كذبة صارت مدارسنا تفاخر في ظلها بنسبة النجاح في امتحانات البجروت، التي ارتفعت من 45% إلى 64% خلال العقد الأخير، من دون التدقيق بأن نسبة المتقدمين لـ5 وحدات رياضيات هو %8.4 مقابل 15.7% بين الطلاب اليهود، ونسبة النجاح في امتحان الإنجليزي بمستوى 5 وحدات تصل إلى 14% فقط مقابل 58% في المجتمع اليهودي.

وكيف بتنا ننشر بفخر النسب الرسمية للملتحقين بالمعاهد العليا الإسرائيلية من دون التمييز بين والكليات ودور المعلمين ومعاهد الرياضة وبين الجامعات، ومن دون التمييز بين أقسام وكليات معينة داخل الجامعات نفسها، وكيف تعاملنا كذلك مع الرجوح الكبير لنسبة الفتيات الملتحقات بالتعليم العالي على الشبان، دون أن نتوقف عند المعطى الذي يفيد أن نسبة الفتيات الخريجات عام 2017 كان 23% مقابل 9.7% فقط من الشبان، ولم نكتتشف أنه مقلق أكثر مما هو مفرح. 

كما غررنا أيضًا بأعداد الاطباء المتخرجين من جامعات الخارج، الذين بات "فيسبوك" يحفل بأسمائهم وصورهم، دون أن نشير أنهم تخرجوا رغمًا عن جهاز التعليم وليس بفضله، بعد أن قطعوا طريقًا التفافية مكنتهم من تجاوز معيقاته.

فالحديث لا يدور عن مجتمع يقع 50% من أبنائه تحت خط الفقر مقابل مجتمع غني نسبيًا، ولا عن فئة حاكمة تحظى بكل الامتيازات وأخرى محكومة تحظى بكل التمييز فقط، بل بمؤسسة استعملت هذا الجهاز، وربما ما زالت، ووظفته لغرض تحقيق أهداف سياسية تتعلق بالسيطرة على المجموعة الفلسطينية الباقية في وطنها.

وفي غمرة "الإنجازات" و"النجاحات"، نسينا مطالبنا الأساسية التي تبلورت بعد درس وتمحيص ووضعت الأصبع على الجرح المفتوح للتعليم العربي، الذي تم تطويعه منذ النكبة في إطار سياسة الضبط والسيطرة التي استخدمت ضد عرب هذه البلاد، وانتقلت من أذرع الحكم العسكري إلى الأذرع الأمنية ذات الصلة، وتطلبت في ما تطلبته إفساد جهاز التعليم بصفته أحد الأركان المهمة التي يقوم عليها المجتمع المعافى والسليم.

وإن كنا نتحدث عن أكثر من 50 سنة بعد انتهاء الحكم العسكري، وأكثر من 20 سنة على إلغاء المحكمة العليا الإسرائيلية وظيفة ممثل "الشاباك" في جهاز التعليم العربي، وفترة مماثلة على فضيحة المفتشين العرب، فإننا ما زلنا نسمع مدير سابق يقول، إن وزارة المعارف تعتقد أنها تحل المشكلة من خلال إعطاء ساعات تعزيز لمعلمين، هم لو قاموا بواجبهم أصلا لما كان هناك حاجة لمثل هذه الساعات، في إشارة واضحة إلى مواطن الخلل الذي ترتبط أسبابه بالخلفيات التاريخية لتعيين المعلمين والمدراء انفة الذكر وامتداداتها في الحاضر، إلى جانب عوامل جديدة ترتبط بالمجالس المحلية وما يعتريها من فساد.

المدير المذكور يعترف أنه كان يرجع أحيانًا ساعات التعزيز لوزارة المعارف، لأن هناك قدرة على ما يستطيع الطالب تلقيه مع المعلمين ذاتهم، كما أن الحل لا يكمن دائمًا بالساعات والميزانيات، فغياب الحوافز لدى طلابنا قد يكمن في غياب الرموز التي تشكل نماذج تحتذى، وقد يكمن في عدم تشجيع الجهاز لمثل تلك الدافعية، كما يقول.

وهذا يعيدنا إلى سؤال، لماذا أعطى الرواد من الأكاديميين الوطنيين في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وفي وقت كانت مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية تعاني النقص المقذع في المباني والملاكات، الأولوية للمضامين التعليمية والإدارة التربوية المستقلة بصفتها الرافعة الأساس للنهوض بالتعليم العربي، ونادوا ببناء جامعة عربية تشكل حاضنة ومنارة وبوصلة موجهة.

ولماذا اضمحلت تلك المطالب وحلت محلها الملاكات والميزانيات والمطالبة بلجنة تحقيق رسمية لفحص توزيعها، في حين أنه اليوم بالذات وفي ضوء هذه النتائج الكارثية؟ يجب إعادة صياغة تلك المطالب المتعلقة بأهداف ومضامين التعليم العربي وتحريره من التبعية الداخلية والخارجية، وبناء إدارة تربوية مستقلة تربط المعلم الموجود في القاع برأس هرم تربوي يدير ويوجه جهاز التعليم العربي، وينقله إلى بر الأمان، قبل فوات الأوان.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة