إسرائيل بين تحييد الديموغرافيا وحدود الأبرتهايد

إسرائيل بين تحييد الديموغرافيا وحدود الأبرتهايد

سليمان أبو إرشيد

بعد أن غزتنا بـ"الحضارة" وحاصرتنا بالـ"تطور"، نجحت إسرائيل أخيرًا في الحرب الديموغرافية التي خاضتها ضدنا، حيث "زفت" إلينا معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، التي نشرت عشية رأس السنة الجديدة 2020، أن معدل انجاب المرأة اليهودية الإسرائيلية (3.05) تفوق لأول مرة منذ بدء إحصاء هذه المعدلات عام 1960، على معدل انجاب المرأة العربية من الداخل الفلسطيني ( 3.04).

وكما هو معلوم، فإن هذا "الانتصار" هو نتيجة جهد صهيوني رسمي وشعبي مكثف، مصدره ومحركه "الهاجس الديموغرافي"، الذي أشغل، وما زال، دوائر البحث والأكاديميين على غرار بروفيسور أرنون سوفر وبروفيسور سيرجيو فورغولا وغيرهما، ممن تخصصوا وانشغلوا في الأرحام وما بداخلها، وفي استكشاف التوازنات الديموغرافية وكيفية التأثير عليها وقلب موازينها.

ترافق ذلك مع جهد حكومي رسمي تمثل بإنشاء دوائر خاصة سرية وعلنية، منها ما جرى الكشف عنه بعد سنوات طويلة من التكتم، أعلنت الحرب على التكاثر الطبيعي لدى العرب الفلسطينيين، وشجعت في المقابل ومن خلال حملات علنية، مثل حملة الولد الثالث وغيرها، هذا التكاثر بين أوساط اليهود الإسرائيليين من ذوي الأصول الأوروبية بشكل خاص.

وقد كان من الغريب وليس من المستغرب ما كشف عنه مؤخرًا، بأن معدلات الولادة لدى المرأة الإسرائيلية من أصل أوروبي، تفوق بأكثر من ولد واحد معدلات الولادة في دول المنشأ الأوروبي، ما يعاكس الدالة الطبيعية التي تربط بين ارتفاع مستوى الحياة بانخفاض نسبة الولادة.

وكانت نتائج هذا "الجهد" أن انخفض معدل إنجاب المرأة العربية من 4.74 (النسبة تتطرق إلى المرأة المسلمة) عام 2000 إلى 3.04، بينما ارتفع معدل إنجاب المرأة اليهودية من 2.53 عام 1995 إلى 3.05، ما يعني أن إسرائيل تستطيع أن تحافظ على وضعيتها كدولة يهودية مع أقلية عربية بنسبة 20 في المئة وأقل في المستقبل.

إلا أن الهاجس الديموغرافي لا يتوقف، كما هو معروف، عند حدود الخط الأخضر، فمؤخرا أثار رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، الجنرال أوري منديس، زوبعة عندما كشف خلال اجتماع لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أن هناك تساو في نسبة السكان اليهود والعرب الفلسطينيين بين البحر والنهر، إذ تشير المعطيات إلى وجود 5 ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع من دون القدس، بينما يعيش في إسرائيل بحدود الخط الأخضر 6.72 مليون يهودي و1.6 مليون عربي فلسطيني.

وكما هو معلوم أيضًا، فقد وقف الهاجس الديموغرافي خلف دعاوى الانفصال عن الفلسطينيين التي قادها "اليسار العلماني الإسرائيلي"، الذي سعى لأن تكون إسرائيل يهودية بثمن ممارسة التطهير العرقي للفلسطينيين عام 1948، وكان مستعدًا لأن تبقى كذلك ولو بثمن إنشاء كيان فلسطيني مستقل على شكل دولة كاملة أو ناقصة، وقاد على هذا الأساس مفاوضات مدريد ومسيرة أوسلو. وكلنا يذكر تصريحات شمعون بيرس التي ساوت بين خطر القنبلة الديموغرافية على إسرائيل وبين القنبلة النووية الإيرانية.

وكان من الواضح أن الانقلاب على مسار أوسلو تطلب تحييد الهاجس الديموغرافي، المتمثل بالخوف على نقاء الدولة اليهودية، وتسنى بفعل عملية تغيير في النخب المسيطرة داخل المشروع الكولونيالي الإسرائيلي، وما رافقها من صعود لليمين الديني الاستيطاني، الذي وبعكس التيار الليبرالي العلماني، لا يقيم وزنًا لديمقراطية الدولة ولا يخشى من ممارسة الأبرتهايد، للحفاظ على يهوديتها على كامل فلسطين التاريخية، أو ما يدعي أنها أرض إسرائيل الكاملة.

وقد كان تشريع "قانون القومية" الذي توج سلسلة أنظمة وقوانين فصل عنصري أخرى، بمثابة إدارة ظهر للديموغرافيا وهواجسها ومنظريها، وإمعانًا في إحباط محاولات إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوطئة لسحب سيطرة إسرائيل وتثبيت أركان سيادتها على كامل الأرض الفلسطينية بين البحر والنهر، حتى بثمن التحول إلى دولة فصل عنصري - أبرتهايد.