الأحلام المتكسرة والآمال العائدة

الأحلام المتكسرة والآمال العائدة

عوض عبد الفتاح

يسترجع الشباب على طول الوطن العربي بعد عشرة أعوام على انطلاق ثوراتهم وانتفاضتهم البطولية، ذكرى هذا الحدث غير المسبوق في التاريخ العربي منذ ثورة النبي العربي، بخليط من المشاعر؛ مشاعر الفخر والاعتزاز، ومشاعر الحسرة والألم والخيبة. آنذاك، فجأة اكتشف الملايين من أبناء وبنات هذا الجيل طاقاتهم الثورية، والقدرة على إسقاط أنظمة أو رؤوس أنظمة مجرمة ومتوحشة، التي كان ظن الكثيرون أنها عصية على التحدي والوقوف في وجهها. بل كثيرون، ومنهم جزء من النخب، كانوا قد وصلوا إلى نتيجة، اقتفاءً بالنظرة الاستشراقية، أن الجماهير العربية لديها قابلية بنيوية للدكتاتورية وأنها شبيهة بالقطيع، ولا يمكن أن تثور وتدافع عن كرامتها وحريتها.

وبعض هذه النخب، ومنها من كان يحمل أفكارًا يسارية أو تقدمية، رفض هذه الثورات والتقى موضوعيا مع النخب المتحالفة مع الأنظمة، في اعتبار الثورات مؤامرة أميركية. وهناك من هؤلاء من قلل من قيمتها كثورة لأنها لم تكن وفق تخيلاته المسبقة عن الثورات، أو وفق الصيغة اليسارية الكلاسيكية؛ لا ثورة من دون نظرية ثورية أو طليعة ثورية.

وفي الأيام الأخيرة، وعشية الذكرى العاشرة للثورة المصرية، يمكن تتبع ما ينشر في وسائل الإعلام المصرية من مقالات وآراء، تكفُر بثورة 25 يناير وتُبجّل بالانقلاب الدموي الذي قاده عبد الفتاح السيسي، بل تعتبر كل ما حصل مؤامرة أميركية. هذا التطبيل يجري وكأن الناس لا ترى الشرعية والتغطية الكاملة التي تمنحها "المؤامرة الأميركية"، عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، لهذا النظام، ولا تريد أن ترى التنسيق غير المسبوق بينه وبين الكيان الصهيوني الاستعماري.

ويتغاضى كثيرون من هؤلاء عن علاقة هذا النظام بإسرائيل وأميركا الوطيدة، ويصبون جام غضبهم على نظام واحد خليجي أو أنظمة خليجية فقط. ويسخر الناس من هذا الهزال والتضليل الرخيص، خاصة أن هناك من شبه السيسي بجمال عبد الناصر، الذي كان يقود معسكرًا قوميًا وفي قيادة معسكر عالمي (دول عدم الانحياز) ضد الإمبريالية والصهيونية ( لعبد الناصر ونظامه أخطاء كبيرة وإخفاقات كارثية، ولكنه كان بطلا قوميا في ظروف التحرر من الاستعمار).

لقد توالت خيبات الملايين من الشباب العربي والشعوب عمومًا، عندما تلاحقت هزائم الثورات العربية في اليمن وليبيا والبحرين وسورية، حيث تكالبت الأنظمة مع القوى الخارجية الأجنبية والعربية، ومع أمراء الحرب والمنظمات الدينية الفاشية، على هذه الثورات. كما جرى امتصاص هبات شعبية كبيرة في أقطار عربية أخرى، إما عبر إصلاحات شكلية أو إجراءات قمعية، أو عبر إغراء الناس بأمور معيشية يومية مثل المغرب والأردن والسعودية والعراق. وكان لافتًا ومفارقًا، قدرة بعض الأنظمة الملكية على تجنب الفتك الدموي بالمتظاهرين، في حين لجأت أنظمة قومية (وراثية) إلى الفتك منذ الأيام الأولى.

وكما كل الثورات التاريخية التي أخفقت في موجاتها الأولى، حيث تُخلّف ضحايا ودماء وسجنا وتعذيبا وحرمان، تترك جروحًا عميقة، وينتشر اليأس والإحباط ليس فقط لدى عموم الناس، بل لدى الكثيرين ممن فجروا الثورات. هذا ما نقرأه عن الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، وموجاتها المتلاحقة على مدار عشرات السنين؛ وعن الثورة الروسية الفاشلة عام 1905، التي كانت بروفة لثورة أكتوبر عام 1917. وأيضًا عن ثورات العالم الأخرى.

ومع تجدد الموجة الثانية من الثورات العربية، في السودان والجزائر ولبنان والعراق، في العام الماضي، تنتعش الآمال العريضة ويستعيد الشباب ثقتهم بأنفسهم. فقد أكدت الموجة الأولى لهذه الأجيال وطلائعهم الثورية أنها لم تذهب سدى، وإن كانت الثورة المضادة قد تمكنت من بعض دول الثورات، وواصلت ممارسة وحشيتها على المعارضين، إن كان قتلاً أو سجنًا أو تعذيبًا أو تشريدًا خارج الأوطان. وتأكد أن ثوار الموجة الثانية تعلموا من دورس الموجة الأولى.

أعادت الموجة الثانية من الثورات التي نشبت في بلدان عدة وترفع شعارات معاداة الإمبريالية، الاعتبار للعلاقة الجدلية بين قوة المجتمع الداخلي والقدرة على مقاومة الخارج. أعادت الاعتبار لمركزية الإنسان ولأخلاقية الربط بين المقاومة وحرية المواطن. ليس هذا فحسب، بل ما جرى ويجري في لبنان والعراق من انتفاضة شعبية عارمة، من حيث المطالب التي يرفعها الثوار، وفي صلبها إسقاط النظام الطائفي، بمثابة مرحلة سياسية وأخلاقية نوعية، ولا يمكن فصلها عن ثقافة الموجة الأولى للثورات ومفرداتها الديمقراطية والإنسانية التحررية، مثل دولة المواطنين، والحريّة والتحرر، والعيش الكريم.

لقد فشلت حتى الآن محاولات قوى الثورة المضادة الداخلية الرسمية وغير الرسمية، والخارجية، في قمع الانتفاضات الجديدة من خلال إقحام مقاومة العدو الإمبريالي والصهيونية، في ماكنة الدعاية ضد الثوار. من علامات الفشل، في لبنان مثلا، انضمام قوى يسارية وقومية، محسوبة على محور الممانعة، إلى الثوار وتصديهم للدعاية المضادة. هكذا لعبت الثورات المتجددة دورًا محوريًا في إعادة الوعي لمن فقده في معمعان تدمير الثورات في أقطار عربية عديدة. لقد أوضح الثوار في بلدان الموجة الثانية من الانتفاضات أن المقاومة لا تكتمل، ولا يمكن أن تنتصر نهائيًا على الخارج، حتى لو حققت نجاحات في معارك بطولية، من دون بناء الداخل، وهذا لا يتم إلا من خلال إسقاط الاستبداد والطبقة السياسية الاقتصادية المسيطرة، والأنظمة الطائفية والمذهبية، واستعادة الدولة من قبضة العصابات المافيوزية.

أما شرط انتصار الثورات، فهو توفر قيادات قادرة على التعلم واستخلاص العبر والممارسة الثورية، وقادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، والتحلي بالحكمة والمعرفة والنزاهة.

اقرأ/ي أيضًا | ثورة يناير: إلهام وعبر

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة