الأرض المحروقة... والبالونات المتفجرة

الأرض المحروقة... والبالونات المتفجرة

رامي منصور

ينبغي أن ينطلق أي تحليل للمشهد السياسي الإسرائيلي الحالي من أن حدة الاستقطاب في المجتمع الإسرائيلي تزداد لدرجة تهديد اليمين الإسرائيلي بـ"حرب أهلية" في حال تشكلت حكومة أقلية، برئاسة بيني غانتس، تستند إلى نواب القائمة المشتركة (من دون التجمع الوطني الديمقراطي).

بدا ذلك واضحًا في المؤتمر الصحافي الذي عقده بنيامين نتنياهو، أمس السبت، والذي ظهر في حالة هستيرية، وقال إن غانتس وليبرمان يسرقان نتائج الانتخابات الديمقراطية، التي منحت معسكره وشخصه الأغلبية. وقبل ذلك حرض بأن القائمة المشتركة خارج المعادلة (السياسية الصهيونية). هذا ينذر بأن الرجل لا يتردد بإشعال الأخضر واليابس لحماية نفسه من المحاكمة والتمسك بالحكم.

وما عزز من خطورة تفجر الأوضاع كما يهدد اليمين، هو إبداء أقطاب اليمين في "كاحول لافان" مثل موشيه يعالون، الاستعداد لتشكيل حكومة أقلية تستند إلى ليبرمان والقائمة المشتركة من دون التجمع، بحيث تحصل على دعم 59 عضو كنيست، وتمهد الطريق لتشريع قانون يعزل نتنياهو من خلال منع من يواجه تهمًا بالفساد من تشكيل الحكومة.

هذا التحول التكتيكي في "كاحول لافان" أشعر نتنياهو واليمين أن خيانة عظمى ترتكب، بسبب منع اليمين من تشكيل الحكومة من خلال التحالف مع القائمة العربية المشتركة. وهذا التحول التكتيكي مرده إلى سببين بحسب المحللين الإسرائيليين:

أولا، نقمة شخصية عميقة لدى غانتس على نتنياهو هذه المرة، بسبب قيام مقرب من نتنياهو بإرسال محقق خاص أو أكثر للتفتيش عن فضائح ضد غانتس تهدد بتفكيك أسرته، أي معلومات شخصية محرجة؛ والسبب الثاني، هو ما صرح به ليبرمان، أمس السبت، أنه لن يتعاون مع نتنياهو بسبب تقديمه بلاغات "مجهولة" ضد أفراد أسرته لدى سلطات الضرائب وجهات أخرى، وأن خلافه ليس مع كتلة اليمين وإنما مع شخص نتنياهو. هذان السببان بنظر المحللين، هما المحرك لاستعداد "كاحول لافان"، على مستوى التصريحات حاليا، لتشكيل حكومة ضيقة تستند إلى أصوات النواب العرب. هل لدى غانتس "الشجاعة" لذلك؟ بحسب مستشاره الشخصي الجواب لا، فقد قال إنه ليس شجاعًا وهو ما تسبب بإقالته عشية الانتخابات.

لكن في المقابل، حذّرت شخصيات مناوئة لنتنياهو، مثل حاييم رامون ويانيف إلداد، وهو مستشار سابق لإيهود براك ومن أشد المعارضين لنتنياهو ونظم مظاهرات ضده، حذّرت غانتس من أن تشكيل حكومة أقلية تستند إلى أصوات العرب ستقضي على "اليسار – الوسط" وستشعل الاستقطاب الحاصل، وقد تعزز شعبية نتنياهو في انتخابات رابعة محتملة. لذا، ينصح رامون، غانتس، بالدخول إلى حكومة وحدة مع نتنياهو الذي سيتفرغ لمواجهة لائحة الاتهام الخطيرة ضده، وتجنب انتخابات رابعة ستزيد من الانقسام في المجتمع الإسرائيلي وقد تقوي نتنياهو.

احتمالات حكومة أقلية

ينبغي التعامل بحذر جدي مع هذا الاحتمال. لم تُظهر "كاحول لافان" حتى اللحظة تراجعًا في رفضها المعلن للتعاون مع القائمة المشتركة، وتطلق تصريحات "مغمغة" عن حكومة أقلية، دون أن تشير بصريح العبارة إلى استعدادها للحصول على دعم المشتركة أو إجراء مفاوضات علنية معها. فقط يعالون صرح أنه لا يعارض هذه الفكرة خلافا للسابق. وليس واضحا إذا ما كان ذلك تحولا جديًا أم مناورة خصوصًا أن أعضاء حزبه "تيليم" يرفضون ذلك بشكل قاطع.

هذا يخلق الانطباع القريب إلى الواقع، بأن غانتس وليبرمان ويعالون يريدون استغلال هذا الاحتمال للضغط على كتلة اليمين وعلى الليكود لإحداث شرخ داخلها، وتعويلهم على أن هذه الخطوة قد تحيّد نتنياهو من خلال سن قانون لحجب تشكيل الحكومة عنه.

وفي حال تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي من المشتركة وليبرمان، فهي لن تعمر طويلا، وقد تسقط مع أول صاروخ يطلق على غزة أو سورية، وهي حكومة غير قادرة على تمرير ميزانية الدولة للعامين المقبلين، وغير قادرة على اتخاذ قرارات سياسية وأمنية جدية. وهي أقرب لحكومة تصريف أعمال، وسيعارض ليبرمان فيها أي قانون لصالح العرب.

ويأمل قادة "كاحول لافان" بأمرين:

- التهديد بحكومة أقلية تستند إلى دعم النواب العرب سيدخل اليمين في حالة هستيرية قد تؤدي إلى تصدعه، وبالتالي التمرد على نتنياهو.

- في حال كان لا بد من حكومة أقلية تستند إلى النواب العرب، فإنها ستكون مؤقتة لشهر أو شهرين حتى سن قانون يحيّد نتنياهو، ولاحقًا ضم إحدى كتل اليمين لهذه الحكومة بدلا من دعم النواب العرب، أو حتى التحالف مع شخصية بديلة من الليكود بعد تحييد نتنياهو ومنعه من تشكيل الحكومة.

ماذا لو؟

قال نتنياهو أمس إنه حتى في حال سن القانون للإطاحة به، فإنه سيبقى على رأس الليكود ورئيسًا للمعارضة، وأنه لن يكون من السهل التخلص منه.

وهذا سيناريو واقعي جدًا، إذ تبدي كتلة اليمين ولاءً مطلقًا لنتنياهو، وفي حال التوجه لانتخابات في ظل حكومة أقلية انتقالية تستند إلى أصوات العرب، فإنها قد تكون الضربة القاضية لـ"كاحول لافان" وما يسمى "الوسط - يسار". بل من شأنه أن يعزز قوة نتنياهو والليكود ليحسم الانتخابات في جولتها الرابعة.

هذا كله يجب ألا يجعلنا نغفل أن هناك معارضة داخل "كاحول لافان" لحكومة أقلية تستند إلى القائمة المشتركة. فصمت القبور حاليًا لدى الجناح اليميني في "كاحول لافان" والذي يمثله يوعاز هندل وتسفي هاوزر (من حزب "تيليم" برئاسة يعالون)، لا يؤشر إلى تحول في موقفهما، بقدر ما يعكس أن التهديد بحكومة أقلية تستند إلى العرب ليست سيناريو واقعيًا.

قانون عزل نتنياهو

لا تنفي مصادر في "كاحول لافان" أن تشريع قانون لحجب تشكيل الحكومة عن نتنياهو هي وسيلة ضغط على كتلة اليمين، وأن فرص تشريع مثل هذا القانون ضئيلة، لأنه من المرجح أن تشطبه المحكمة العليا كونه جاء لاستهداف مرشح محدد، وفي فترة انتخابات وفي ظل حكومة غير مستقرة. لذا، الفائدة الوحيدة لتشريع مثل هذا القانون، هو فرض حصول نتنياهو على أغلبية 61 عضو كنيست لتشكيل الحكومة، كي يتمكن قبل ذلك من إلغاء القانون في حال أقر. أي أنه قانون معطل تدرك "كاحول لافان" محدوديته.

التوصية على غانتس

حتى الآن لم يتوجه غانتس أو "كاحول لافان" لحوار علني وجدي مع القائمة المشتركة، بل يجري الاستهتار بها والتعامل معها كفزاعة لليمين.

وبغض النظر عن مواقف مركبات المشتركة الأربعة من التوصية، فإن المهم هو أن تظل متماسكة داخليًا، وتجري مفاوضات جماعية مع غانتس في حال توجه إليها بشكل علني وجدي.

وإجراء مركبات في المشتركة مفاوضات منفردة ومن تحت الطاولة، سيحوّل الإنجاز الجماعي الوحدوي الأخير إلى فعل ماض. لذا، من الضروري، وتقديرًا لمشهد الوحدة في الانتخابات الأخيرة والدعم الشعبي غير المسبوق، أن تتصرف المشتركة بشكل موحد وتجري أي اتصالات أو مفاوضات بشكل جماعي.

ورغم موقف التجمع المبدئي من عدم التوصية على مجرم حرب صوت حزبه مع شطب النائبة عن التجمع، هبة يزبك، في لجنة الانتخابات المركزية مؤخرًا، إلا أن ذلك لا يمنعه من المشاركة في مفاوضات موحدة وجماعية تضع شروطًا واضحة أمام غانتس، تبدأ بإلغاء قانون كامنيتس وقانون القومية والاعتراف بحدود حزيران/ يونيو 1967 كأساس لحل الدولتين وغيرها.

ومن المستبعد أن يلبي غانتس هذه الشروط، وقد يقبل بعرض بعض الفتات مثل رصد ميزانيات بمليارات الشواقل للسلطات المحلية العربية وما شابه. لكن هذه التعهدات ستتبخر سريعًا لأن هدفه من المفاوضات ليس تشكيل حكومة مستقرة، وإنما حكومة انتقالية للتخلص من نتنياهو والتحالف لاحقا مع إحدى كتل اليمين، كالحريديين مثلا.

ومن المهم ألا تفرط المشتركة وقيادتها بالإنجاز الوحدوي والجماعي، وأن تبقى متماسكة وألا تنزلق للعبة دق الأسافين التي يحاول أن يلعبها "كاحول لافان"، بفرز مركبات المشتركة بين متطرفين ومعتدلين، بين مقبولين على الإجماع الصهيوني وبين مرفوضين عليه.

وقبل الهجوم على التجمع، فإن رفضه للتوصية لن يؤثر في تشكيل حكومة أقلية، لأن "كاحول لافان" أيضًا لا يريد دعم التجمع، وثانيًا لأنها ستحصل على دعم 59 عضو كنيست ("كاحول لافان" 33 مقعدا، المشتركة 12 مقعدًا بلا التجمع، العمل 7 مقاعد، ليبرمان 7 مقاعد، والمجموع 59). هذا لا يعني أن ينكفئ التجمع على نفسه من جهة، ومن جهة أخرى ألا ينجر للعبة المفاوضات التي نرجح بأنها لن تنتهي إلى شيء حقيقي.

ومهم التحذير كذلك، من أن هستيريا اليمين وانفلاته في ظل الحديث عن حكومة أقلية بدعم النواب العرب، قد يطال قادتها. فالأجواء على شبكات التواصل الاجتماعي إسرائيليا، أشبه بالأجواء عشية اغتيال رابين، إذ يشعر اليمين أن دولته تسرق منه، وأن "انتصاره" الديمقراطي يختطف بأصوات النواب العرب.

ويهدد نتنياهو بالأرض المحروقة في حال تشكيل حكومة أقلية تستند إلى النواب العرب، وبالون حكومة الأقلية هو بالون ولكنه قد يحمل مواد متفجرة، تشعل الاستقطاب الحاد في الشارع الإسرائيلي، وهو يميل لصالح اليمين ونتنياهو، فمعسكره حصل على 58 عضو كنيست، فيما حصل المعسكر الصهيوني المناوئ له بقيادة غانتس على 47 عضو كنيست. فحذار أن تتحول المشتركة إلى حطب في المعركة الحاصلة والمرشحة لمزيد من الاشتعال.

الأفضل للمشتركة أن تحافظ على تماسكها الداخلي والمفاوضات الجماعية، وألا تزج بنفسها في صراع أقطاب الإجماع الصهيوني، ففي النهاية غانتس ونتنياهو يؤيدان "صفقة القرن" لتصفية الحقوق الفلسطينية. وهذا هو المهم.