الشرق الأوسط... "فاشينستا" السلاح الروسي-الأميركي

الشرق الأوسط... "فاشينستا" السلاح الروسي-الأميركي

مهيب الرفاعي*


يُشكّل الشرق الأوسط في جغرافيّته السياسية والطبيعية وحتى العسكرية أكثر بؤرةٍ ذات توتر في العالم. وتوالت الحروب والنزاعات في المنطقة بطريقة تجعل الفرصة سانحة أمام التدخلات الخارجية من قبل الدول العظمى، ما جعل من هذه المساحة جغرافيا وإستراتيجيا صالحة لاختبارات هذه القوى ونقل الصراع القائم بينها إلى مجال خصب كهذا. وبعد الحرب الباردة وانهيار المعسكر السوفييتي، أصبح المعسكر الغربي (الرأسمالي) من أكبر الطامعين في الشرق الأوسط، بعد أن كان من مخططات موسكو السيطرة على هذا الإقليم بحكم سهولة الاتصال والقرب المكاني. وسواء كان بالدبلوماسية والعلاقات العامة أو بالأموال والامتيازات، فقد كان مجال التأثير السوفييتي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي على دول العراق وسورية ومصر واليمن كبيرا للغاية، الأمر الذي دفع قيادات هذه الدول آنذاك لتقديم تسهيلات لروسيا على أراضيها على حساب أميركا. وأصبحت هذه الدول قوية بقوة روسيا، التي شكلت حليفا مثاليا لها، ولقيت أفكار الشيوعية إقبالا من قبل القيادات والأحزاب في تلك الحقبة ليتبنّوا رؤيتها. إلا أن هذه الدول وتحالفها مع روسيا لم يكن سوى مرحلة مؤقتة من مراحل التحالفات الروسية. فعلى الرغم من عِلم روسيا أن هذه الدول لم تكن قوية بما يكفي لتكون حليفة لها، إلا أنها بقيت المصدر الأساسي لأسلحتها خاصة في حرب 1967 إذ لم يكن خَيار لمصر سوى طلب الصواريخ وتجهيزات الطيران من المعسكر السوفييتي الذي كان سبق وأن أعلنت مصر الانفكاك عن التعاون معه. وإذا ما أضفنا معدات التسليح التي أخذتها مصر وسورية آنذاك إلى المساعدات الاقتصادية، فإننا نتحدث عن أكبر مستفيدَين من روسيا في العالم آنذاك. بقيت سورية على علاقة طيبة مع روسيا، مستغلة روسيا بذلك الأبعاد الجيوسياسية للجمهورية العربية السورية من حيث التنوع في الأحزاب والخلفيات الدينية والموقع الإستراتيجي على البحر المتوسط الذي يشكل النفاذُ إليه حلما بالنسبة لموسكو.

بالانتقال إلى مرحلة الرئيس بوريس يلتسن، كانت روسيا أقرب إلى المتفرج على حوض البحر المتوسط كمجال لتنفيذ مخططاتها العسكرية والصناعية، وتصدير نتائج أبحاثها واختبار نجاعة أدواتها. ولم تكن روسيا يلتسن لتستفيد كثيرا من علاقاتها السابقة مع بلدانه كما استفادت روسيا فلاديمير بوتين اليوم. فبوتين نقل روسيا إلى مرحلة الفعل والقرار والسيطرة في الشرق الأوسط ودول حوض البحر المتوسط تحديدا، الأمر الذي أعاد الشرق الأوسط إلى واجهة الصراع بين أميركا وروسيا ليتجسد هذا الصراع من خلال معركة الامتيازات في المنطقة. إلا أن هذا الصراع لم يكن من النوع البارد، إذ حمل أبعادا اقتصاديةً وعسكرية من ورائها أهداف تبتغيها كل من الدول المشاركة في الحروب في المنطقة. فروسيا تسعى من خلال هذه المعركة إلى إبعاد الداخل الروسي عن الواجهة، بما يحفظ أمنها الداخلي، على أقل تقدير، ويضمن لها نفوذا في منطقة الشرق الأوسط مع شبكة علاقات مع أكبر مستهلكين للأسلحة في العالم في العصر الحديث؛ أي دول الشرق الأوسط. ولهذا فقد انتهجت خطوات جريئة جدا تمثلت في دخولها الحرب في سوريةمن بوابة اقتصاد كبيرة؛ تحديدا بوابة التسليح.

فبالإضافة إلى صفقة السلاح التي نفذتها روسيا مع سورية في تسعينيات القرن الماضي والتي تضمنت تزويد الجيش السوري بطائرات من نوع "سوخوي" و "ميغ 29" وصواريخ بالستية لتطوير منظومة الردع أمام إسرائيل، و التي شطبت روسيا مديونيتها البالغة حوالي 13 مليار دولار في عام 2005. عملت روسيا في عهد بوتين على استدامة هذه العلاقات من خلال الدخول في الحرب السورية وتزويد الجيش السوري بالأسلحة النوعية والمعدات التي تتضمن -على المستوى البسيط- الإلكترونيات وأجهزة المراقبة وقطع تبديل الطائرات المروحية و الأسلحة الخفيفة. إلا أن الجانب الذي يمثل نقطة البحث المهمة هو الدور الفعلي الذي تلعبه شركات التسليح العالمية في حروب الشرق الأوسط.

تمتلك روسيا حوالي 35 شركة صناعة أسلحة لتكون في المركز الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة الأميركية في مجال صناعة التسليح. ونجحت فعليا 11 شركة في الصعود إلى تصنيف أضخم 100 شركة صناعة أسلحة عالمية، إذ كان من بين هذه الشركات “ألماز-آنتي" المختصّة بتطوير أنظمة الدفاع الجوي، و "أورال فاغون زافود" المختصة بصناعة الدبابات والمدرعات، التين حققتا نجاحا كبيرا في السنوات العشر الأخيرة. ويتم التسويق لهذه الشركات عبر شركة تسليح حكومية تابعة مباشرة لوزارة الدفاع الروسية وهي "روس بورون اكسبورت" والتي تعمل كوسيط لصفقات التسليح بين الجانب الروسي والعملاء من دول العالم. ولكي يتسنى لهذه الشركات الترويج لأسلحتها، كان لا بد لها من خلق تحالفات تسعى من خلالها إلى وضع خططها الاقتصادية قيد التنفيذ. وكانت أهم خطوة بالنسبة لوزارة الدفاع الروسية بالتنسيق مع هذه الشركة هي إنشاء ميناء على البحر المتوسط مع قاعدة حربية تكون مركز اتصال وإدارة عمليات، وفي ذات الوقت مقر استخبارات روسي في سورية، وهو ما تم فعليا من خلال إنشاء قاعدة "حميميم" وإنشاء ميناء في مدينة طرطوس السورية. تعد خطوة إنشاء مركز اتصال وميناء بحري تابعين لموسكو من أهم الخطوات التي تم الاتفاق عليها مع شركات الأسلحة الروسية لضمان نقل آمن للأسلحة الروسية إلى داخل سورية، وتسهيل صفقات العملاء في المنطقة، خاصة ليبيا والجزائر اللتين تعتبران سوقا رائجا للأسلحة الروسية بعد عام 2010، إذ شملت هذه الصفقات طائرات من طراز "سوخوي 30" وميغ 29" ودبابات من طراز "تي 72" و "تي 90" وغيرها.

بالعودة إلى سورية، تذكر تقارير حربية روسية أنه في عام 2006 نظّمت شركة " روس بورون اكسبورت" صفقة مع دمشق وتم توريد 200 صاروخ من طراز "إيغلا" و"بانتسير " لتعزيز منظومة الدفاع الجوي حينها. وعلى الرغم من أن هذا العدد لا يشكل خطرا كبيرا على إسرائيل، إلا أن ما أربكها هو دخول روسيا على خط التسليح في المنطقة المليئة بمطامع أميركا. الأمر الذي يعيد إلى الأذهان حالة العداء بين موسكو وواشنطن في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وسباق التسلح بين المعسكرين الأعتى في العالم. ازداد السباق بعد عام 2011، واشتداد نار الحرب في سورية على وقع تزويد الأطراف المتنازعة بالسلاح من كل من روسيا وأميركا، ما أعاد السباق مرة أخرى، لكن هذه المرة على أرض حقيقية وضمن مساحة جغرافية واقعية؛ حارّة لا باردة.

وبغض النظر عن تكلفة الحرب الفعلية في المنطقة -في سورية نحو 4 مليون دولار يوميا، وفي كامل المنطقة حوالي 10 مليون دولار يوميا- إذ أن هذه الشركات جاهزة لكلفة أكبر بأضعاف، إلا أن ما تقاتل من أجله هو المكان، أو ميدان حرب فعلية، وبنفس الوقت بعيد عن الحدود الجغرافية لدولها، يكون حقلا حيّا لاختبار أسلحة وعرضها أمام أعين الدول التي ترغب بشرائها. تسعى شركات التسليح الروسية والأميركية، للحفاظ على مساحة مشتعلة من أجل اختبار نجاعة السلاح الذي تنتجه هذه المصانع. ولا يخفى على أحد أن اختبار قطع السلاح في ظروف حرب حقيقية يثبت مدى قدرة هذه الشركات على دخول مجال التصنيع والبيع من أوسع أبوابه، ففي عام 2015، أعلنت شركة " روس بورون إكسبورت" أنها حققت نسبة أرباح وصلت إلى 13 مليار دولار أميركي بعد أن قامت بإطلاق ما لديها من نماذج أسلحة ثقيلة إلى ساحة الحرب السورية. وبالتالي، فإن كلفة محاكاة حرب حقيقية لاختبار هذه الأسلحة لكشف مدى نجاعتها سيكون مكلفا أكثر من العمل على استدامة حرب دائرة في سورية أو اليمن أو العراق أو ليبيا.

تذكر الأدبيات المتعلقة بالحروب والتسليح أن إسرائيل كانت تختلق حربا في المنطقة، في لبنان أو فلسطين، كلما أرادت اختبار نوع جديد من الأسلحة سواء من زمرة الطيران أو المدرعات أو صواريخ أرض-أرض، أو حتى اختبار أنظمتها الدفاعية الداخلية. وإن كانت حجة الحرب هي "الدفاع عن النفس"، إلا أن الهدف الحقيقي هو اختبار السلاح ضمن مناخ حقيقي، وبناء على نتائج هذه الحرب يتم تقرير تطوير هذا السلاح وعرضه في أسواق التسليح، أو تنسيقه لحساب طراز آخر. في حرب تموز 2006، مع حزب الله اللبناني، اختبرت إسرائيل مدرعات من طراز "مركافا" والتي كانت تعتبرها إسرائيل المنتج العسكري الإسرائيلي رقم واحد. إلا أن النتائج لم تكن كما رجت وزارة الدفاع الإسرائيلية، وطلبت إيقاف تصنيعها وتطويرها لتتلاءم أكثر مع بيئة حرب أقسى.

إلا أن ساحة الحرب في سورية واليمن وليبيا جلبت لشركات السلاح الروسية والأميركية صفقات تطال أكثر من 200 نوع أسلحة. في عام 2017 وقّعت أميركا مع السعودية صفقة أسلحة بقيمة 350 مليار دولار هي الأضخم من نوعها بين البلدين ضمن خطة الدعم المتكامل والدعم اللوجستي الذي تقدمه أميركا لحلفائها في المنطقة. فعليا هذه الأسلحة التي تشمل 150 طائرة هليكوبتر من طراز "بلاك هوك" الأشهر عالميا بالإضافة إلى منظومة صواريخ دفاعية من نوع أرض-أرض، وأرض-جو؛ هي ذاتها التي تم اختبارها في سورية وليبيا والعراق. وعام 2019 كانت روسيا قد أطلقت للمرة الأولى صاروخا من طراز "كاليبر" بعيد المدى، والذي يطلق من قواعد بحرية، باتجاه أهداف لتنظيم "داعش" في سورية، متجاهلة بذلك أن كلفة عدة ضربات جوية هي أقل بكثير من هذه الضربة المفردة. إلا أن الهدف أبعد بكثير إذا ما كنا نتحدث عن عرض قوة صاروخية روسية رهيبة ستدرّ على شركات الأسلحة البحرية صفقات بمليارات الدولارات.

خلاصة القول إن صناعة الأسلحة لا تكتمل بدون وجود أعداء ووجود معارك. فصناعة العدو عامل مهم لاستدامة المعركة، وبالتالي زيادة أكبر في حجم الاستهلاك وحجم المبيعات، وبالضرورة حجم التصنيع. وغالبا ما تقوم الدول الكبرى بصناعة عدو بأبعاد تتناسب مع الترسانة المرصودة للمعركة ضده. والمنفعة تعود على الدول المعنية بالدخول في حرب ضد هذا العدو "المصنّع" لأهداف عسكرية واقتصادية وإستراتيجية، متمثلة في إبعاد الخطر ونقل ساحة المعركة خارج حدودها، وبالتالي ضمان أمنها الداخلي. بالإضافة إلى تدريب الجيوش في ظروف حرب حقيقية تكون كلفتها أقل من محاكاة نموذج لها.

* كاتب وباحث سوري في معهد الدوحة للدراسات العليا.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص