مصيدة غانتس للقائمة المشتركة

مصيدة غانتس للقائمة المشتركة

بلال ضاهر

تجري في الحلبة السياسية في إسرائيل أحداث، بالإمكان وصفها بأنها غريبة وحتى أنه يصعب تصديقها، رغم أن أصواتا آدمية تتحدث عنها، وإن كان ذلك بالنيابة عن آخرين. ويتبين منها أن مواقف "تاريخية" لقياديين سياسيين في الجانب اليميني في الخريطة السياسية، كأنها تغيّرت، وانقلبت رأسا على عقب، بعدما بدأ البعض باستيعاب نتائج انتخابات الكنيست، التي لم تغير شيئا بالنسبة للأزمة السياسية والفشل بتشكيل حكومة، باستثناء ارتفاع تمثيل القائمة المشتركة.

حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، وافق المرشح الثالث في كتلة "كاحول لافان"، موشيه يعالون، على أن تدعم القائمة المشتركة، باستثناء التجمع، حكومة أقلية يشكلها رئيس "كاحول لافان"، بيني غانتس. وقد عبّر يعالون عن هذا الموقف في محادثات داخلية، ولم نسمع منه تصريحا بهذه الروح. وينبغي التذكير أن يعالون يميني ومستوطن وانشق عن حزب الليكود بعدما أقاله رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وأسس حزب "تيلم"، الذي أصبح جزءا من "كاحول لافان". ويعالون، رئيس الأركان الأسبق للجيش الإسرائيلي أثناء الانتفاضة الثانية، متهم بارتكاب جرائم حرب، وامتنع عن زيارة دول خشية اعتقاله، وبينها بريطانيا في عام 2005.

الأغرب من ذلك، أنه في أعقاب لقائه مع رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، اليوم الإثنين، بادر غانتس إلى الاتصال مع رؤساء ثلاثة أحزاب من بين أربعة تشكل القائمة المشتركة، هم النواب؛ أيمن عودة، وأحمد طيبي، ومنصور عباس، ولم يفاجِئ غانتس أحدا بعدم الاتصال مع رئيس قائمة التجمع، النائب امطانس شحادة. لكن السؤال المهم هنا: ما هو الدافع لاتصالات غانتس مع النواب الثلاثة من المشتركة؟ هل ليبرمان – اليميني، الذي يدعو إلى نقل منطقة المثلث إلى الدولة الفلسطينية في عملية ترانسفير معاصرة، والذي لم يتوقف عن التحريض الدموي ضد الأقلية العربية ويصفها بأنها "طابور خامس"، قد أبلغ غانتس أنه يوافق أيضا على دعم المشتركة، بدون التجمع، لحكومة برئاسة غانتس ومن خارجها؟

وغانتس نفسه كان قد صرح الشهر الماضي، قبل الانتخابات، بشأن احتمال دعم المشتركة، بأنه "سنشكل حكومة، ومن يريد دعمها فليدعمها، ونحن نؤيد شراكة مدنية لكننا لن نجلس في حكومة تضم القائمة المشتركة". وقبل ذلك بيوم واحد، قال غانتس إن "لدينا خلافات عميقة (مع المشتركة) فيما يتعلق بالمسائل السياسية والقومية والأمنية لدولة إسرائيل. إسرائيل هي الدولة اليهودية والديمقراطية الوحيدة في العالم، وتحتاج إلى الدفاع عن نفسها من الأعداء الخارجيين. ولا يمكن أن تتسامح مع الإرهاب أو أن تتجنب إدانته. خلافاتي مع قيادات القائمة المشتركة حول الجوانب القومية والأمنية عميقة وصعبة وغير قابلة للتلاقي". لكنه الآن يستجدي دعم المشتركة، لأنه لا أمل له بتشكيل حكومة بدونها، ووافق على الاجتماع مع رؤساء جميع مركباتها، وبضمنهم التجمع.

"ألهذا الحضيض سقط غانتس؟"، سيقول اليمين، وبالتأكيد أطراف داخل "كاحول لافان" و"يسرائيل بيتينو" أيضا. لكن حاجة غانتس للمشتركة مصيرية، وموافقته على التقاء مركبات المشتركة كلها ناجم عن إصرار الأخيرة التحدث كوحدة واحدة، وهذا موقف يحسب للقائمة التي حصلت على 580 ألف صوت غالبيتها الساحقة للناخبين العرب، الذين منح أكثر من نصفهم صوتهم بسبب الوحدة وليس على أساس حزبي.

والسؤال الأهم هنا: هل غانتس وائتلافه الهزيل، الذي تغلب عليه المواقف اليمينية، ضد الأقلية العربية والفلسطينيين والسلام، استبدل مواقفه، أم أن تغيير الموقف في الظاهر هو مجرد خدعة، أو تكتيك، بلغة أجمل؟ على الأغلب أنه خدعة. فجميع الحسابات والمؤشرات تشير إلى أنه سيكون صعبا على غانتس تشكيل حكومة أقلية. وإن نجح بتشكيلها فإنها ستسقط بعد أشهر، وربما أسابيع فقط.

ماذا يمكن أن يمنح غانتس وائتلافه الحالي للقائمة المشتركة؟ إسقاط نتنياهو؟ حسنا، وماذا بعد؟ إذا كان تشكيل حكومة إسرائيلية بفضل المشتركة، لا يأتي بثمار ناضجة للأقلية العربية، وحل مشاكلها المزمنة والخطيرة بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة جميعها، فإن هدف إسقاط نتنياهو لا يستحق هذا الدعم الوحدوي للمشتركة لغانتس وائتلافه. ولا ينبغي أن ننسى أن غانتس وقادة ائتلافه، أي هو ويعالون وليبرمان وغابي أشكنازي وعمير بيرتس، متهمون بجرائم حرب ارتكبتها إسرائيل، منذ العام 2000، بسبب توليهم أرفع المناصب الأمنية.

لكن هناك مشكلة أخرى سيواجهها غانتس في طريقه لتشكيل حكومة أقلية. ففي كتلته يوجد عضوا كنيست على الأقل، هما يوعاز هندل وتسفي هاوزر، اللذين كانا في الدائرة القريبة لنتنياهو، وانشقا عنه، لكنهما لم يغيرا مواقفهما اليمينية، ويصرحان برفضهما لفكرة الحكومة الضيقة لسبب واحد، وهو دعم القائمة المشتركة، ويلمحان إلى أنهما لن يؤيدا حكومة كهذه لدى عرضها في الكنيست للحصول على الثقة. وهذا يعني أنهما قد يمتنعان، وليس بالضرورة أن يصوتا ضد منح الثقة لحكومة كهذه، ما يعني في هذه الحالة أن حكومة كهذه ستحصل على ثقة 60 عضو كنيست، وهذا يشمل المشتركة والتجمع بضمنها. لكن قبل مشهد التصويت على منح الثقة، ينبغي أن يوصي هذا "المعسكر"، إذا تشكل، ويضم 62 عضو كنيست، أمام الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، بتكليف غانتس بتشكيل الحكومة.

وهذه هي النقطة الأهم بالنسبة لغانتس وائتلافه، والمشتركة ليست بالحساب هنا. فالمشهد العبثي وغير المعقول الذي تم وصفه أعلاه، الذي استبدل فيه أقطاب اليمين في ائتلاف غانتس مواقفهم من النقيض إلى النقيض بالمفاهيم الإسرائيلية، يسعى إلى أمر واحد، في هذه المرحلة، وهو أن يمنح ريفلين التفويض بتشكيل حكومة لغانتس أولا، وسد الطريق أمام نتنياهو كي يحصل على التفويض أولا. ويرى غانتس وشركاؤه في "كاحول لافان" أن بإمكانهم تشكيل حكومة، تضم ليبرمان وتحالف "العمل – غيشر – ميرتس" وبعد ذلك يحلمون بضم الحريديين، وربما الليكود. وهناك من يقول إن غانتس سيوافق على انضمام الليكود على أساس التناوب على رئاسة الحكومة وبحيث يكون نتنياهو الثاني في هذا التناوب.

الأمر الوحيد الواضح في هذه اللعبة هو أنه لا توجد نوايا حسنة من جانب غانتس أو أي أحد في ائتلافه. وعلى المشتركة ألا تقع في مصيدة الأزمة السياسية الإسرائيلية. لقد حققت المشتركة إنجازا كبيرا في الانتخابات الأخيرة، بحصولها على 15 مقعدا. وعليها أن تستغل هذا الإنجاز من أجل خدمة مجتمعها من داخل الكنيست، وليس بتنصيب طرف يميني صهيوني والإطاحة بآخر، وتكون كمن يتواجد بين البصلة وقشرتها. والخطر بذلك التضحية بالدعم الواسع لها، خاصة وأن انتخابات رابعة تلوحُ في الأُفق.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص