بين مجرمي الحرب و"الخيار الوحيد العصي"

بين مجرمي الحرب و"الخيار الوحيد العصي"

سليمان أبو ارشيد

"القطع" بأن التوصية على تكليف بيني غانتس بتشكيل الحكومة هي "الخيار السياسي الوحيد" و"الخيار الوحيد العصي"، الذي تقف عنده حد "المشاركة في اللعبة البرلمانية الإسرائيلية أو رفضها سياسيًا"، كما أورد أمير مخول في سياق تبرير موقف التجمع والقائمة المشتركة في التوصية على غانتس، في مقال نشره "عرب 48" مؤخرًا، ليس أنه يتجاهل فلسفة التجمع التي تناور في المساحة الواسعة التي تقع بين موقف الحزب الشيوعي التاريخي، الذي يرى في انتخابات الكنيست جزءًا عضويًا من تكوينه السياسي، وبين موقف "أبناء البلد" التاريخي الرافض لها ارتباطا بالموقف من الدولة ذاتها، بل يتناقض أيضًا مع فلسفة الحزب الشيوعي نفسه، التي تأسست على التمييز بين الصهيونية وبين الدولة.

الحزب الشيوعي وبغض النظر عن الحيثيات التاريخية التي قادت مئير فلنر إلى التوقيع على "وثيقة استقلال إسرائيل" عام 1948، وما مثله ذلك من اعتراف بإسرائيل ودخول برلمانها، فإنه ظل رافضًا، حتى اليوم، للأيديولوجية والهيكلية الصهيونية للدولة، وعلى هذا الأساس هو لا يعتبر من أحزاب الموالاة ولا من أحزاب المعارضة الصهيونية، بل يقع خارج مؤسسة الدولة ولا يشارك في حكوماتها، ولا يندرج ضمن فرز ألوان أحزابها المختلفة.

من هذا الباب، أعتُبرَ دعم هذا الحزب وجبهته لحكومة إسحاق رابين (1992- 1995)، من خلال المشاركة في "الجسم المانع" للحكومة، نوعًا من المساومة وشكل حالة استثنائية وقعت على خلفية حدوث تحول جدي في سياسة المؤسسة الصهيونية، قادته حكومة رابين أو انحراف عن السكة سرعان ما استعاد مساره. "انحراف" يتمثل باستعداد أجزاء من الحركة الصهيونية الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، والعودة إلى الحديث عن مشاريع تقسيم البلاد التي وحدوها تحت سيادتهم بقوة السلاح عام 1967.

هذه حقيقة يجب تسجيلها بغض النظر عن كل ما يقال حول أوسلو ونتائجه الكارثية التي نراها اليوم، وهي التي قادت الأحزاب العربية ( الجبهة و"الديمقراطي العربي") إلى دعم حكومة رابين من الخارج، وشكلت مؤشرًا على أن الاقتراب المتبادل مع الحزب الشيوعي والأحزاب العربية، هو بقدر الابتعاد عن سياسة الاحتلال والاستيطان والحرب والتوسع الصهيونية، وهو ابتعاد/اقتراب دفع رابين حياته ثمنًا له، وهو وضع غير قائم في حالة التوصية على غانتس.

أما التجمع الذي جاء خلال أوسلو وبعده وانطلق من أن "السلام" أصبح حالة "ناجزة"، وعليه معالجة قضية "المساواة"، فقد خطا خطوة أبعد من ذلك برفض "يهودية الدولة" وليس معارضة صهيونيتها فقط، إدراكا منه أن نزع صهيونية الدولة لن يسقط عنها الطابع القومي أو الإثني اليهودي، الذي يعطي أفضلية لليهود على سائر مواطنيها، ويشرعن "قانون العودة" الذي يسمح لهؤلاء في كافة أصقاع الأرض بالعودة إلى فلسطين، ويمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وفي وقت جاء شعار الدولة المدنية أو "دولة المواطنين" ليتحدى يهودية الدولة، ويكشف التناقض القائم بينها وبين المواطنة، فإن قرار خوض الحركة الوطنية انتخابات الكنيست في إطار التجمع، جاء اختمارًا لنقاش دام سنوات طويلة، واستقر على الفصل بين الموقف من الدولة وممارسة العمل البرلماني من خلال الكنيست، باعتبار الأخير أسلوب نضال يمكن استخدامه أو إهماله والانسحاب منه، وفق خدمته أو تعارضه مع أهداف ونضالات شعبنا وجماهيرنا.

وهو موقف قارب واستند إلى تجارب عالمية في هذا المضمار، مثل جنوب أفريقيا وجبهة التحرير الجزائرية، و"الشين فين" في إيرلندا وغيرها من الحركات الوطنية، التي جمعت بين العمل الثوري والنشاط البرلماني. ومن هنا، جرى اشتقاق شعارات مثل "الكنيست ليست مربط خيلنا" وغيرها، وليس من قبيل المصادفة أن التجمع ونوابه ما زالوا يواجهون محاولات الشطب بين كل دورة انتخابية وأخرى، والتي كان آخرها محاولة شطب النائبة هبة يزبك.

في هذا الإطار، جاء ترشيح عزمي بشارة لرئاسة الحكومة عام 1999، والتي يصفها مخول بأنها "مناورة ذكية وجديرة بالتمعن"، وبأنها تقع ضمن "اللعب على أقصى حدود الممكن في اللعبة البرلمانية، وضمن الحفاظ على الثوابت والقيم الوطنية والأخلاقية"، وهي التي وصفت من قبل عزمي بشارة بأنها "محاولة لسحب المواطنة إلى أقصى الحدود الممكنة، لإثبات تناقضها مع يهودية الدولة".

وكان من الطبيعي أن تنتهي تلك "المناورة"، كونها كذلك، إلى ما انتهت إليه، دون أن يعلن التجمع أو يدعو للتصويت لأحد المرشحين الصهيونيين المتنافسين، في حينه، بنيامين نتنياهو وإيهود براك، علمًا أن سحب الترشيح جرى توظيفه لصالح الأخير، الذي حظي بـ%90 من أصوات العرب في الانتخابات المباشرة التي جرت لرئاسة الحكومة.

ويعود هذا الاندفاع بالتصويت لبراك لأنه كان قد وعد بأمرين، الانسحاب من جنوب لبنان وإنهاء مفاوضات الحل النهائي مع الفلسطينيين، التي حاول نتنياهو تعطيلها. وفيما نجح براك في تنفيذ وعده بالانسحاب من جنوب لبنان، فشل أو أفشلَ مفاوضات الحل النهائي التي جرت مع ياسر عرفات في كامب ديفيد، وأدت إلى انفجار الانتفاضة الثانية، وما رافقها من أحداث تسببت بسقوط 13 شهيدا في الداخل.

ومن الجدير التنويه، بأن جماهيرنا التي صوتت بغالبيتها لبراك عام 1999، عاقبته بعد أن خذلها في الانتخابات التي جرت عام ،2001 التي بلغت فيها نسبة التصويت لرئاسة الحكومة 18% فقط، دون أن يدعي أحد أنها تساهم في إنجاح منافسه شارون.

"وفي الحديث عن مجرمي الحرب الذين نصطدم بهم أينما ذهبنا"، كما يقول مخول، هناك فرق بين مجرم حرب جنح إلى السلم ووقع اتفاق سلام مع منظمة التحرير الفلسطينية مثل رابين، أو حتى مجرم حرب خاض الانتخابات على أساس برنامج سلامي مثل براك، وبين مجرم حرب خاض الانتخابات على برنامج المفاخرة بأعداد القتلى الذين أسقطهم في غزة، وعلى أساس تأييد "صفقة القرن"، والمزايدة على نتنياهو بضم الأغوار والقدس الموحدة والجولان، وإجراء ترانسفير للمثلث.

لم تجر جماهيرنا وأحزابها تاريخيًا أية مفاضلة بين بن غوريون وبيغن، أو شامير وبيرس أو غيرهما من القادة الصهاينة؛ فما مبرر المفاضلة بين نتنياهو وغانتس، طالما يتوحد كلاهما حول قضايا الإجماع الصهيوني، ويريد الأخير دعمنا لتحسين مكانته فقط في مفاوضات تشكيل حكومة وحدة صهيونية.

وهل هذا يجعل "الخيار الوحيد العصي" أمام التجمع هو التوصية على غانتس، التي يجب أن يكون دونها الانسحاب من الكنيست، كما ذكر مخول؟!

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"