التجمع: في حرج الموقف وضرورة القرار

التجمع: في حرج الموقف وضرورة القرار

أمير مخول

عند تقييم المواقف الحرجة وكيفية الحسم، من المفيد أن نسأل أنفسنا وبهدوء داخلي: ماذا كنت أفعل لو كنت هناك؟ هل سيكون موقفي مغايرًا للموقف العام؟ وهل فعلا لديّ خيارات عديدة لاختيار موقف منها؟ ليس الحديث هنا عن شرعية الاختلاف والمواقف المتجاذبة في هذا الصدد، فالاختلافات شرعية، وحتى ضرورية، للحفاظ على حيوية الإطار مهما كانت غاياتها.

الموقف الذي واجهه التجمع الوطني الديمقراطي مؤخرًا بشأن التوصية بتكليف بيني غانتس لتشكيل الحكومة، وباعتقادي مجمل الحركة السياسية واجهته، هو أنه ليس سهلا اتخاذ موقف يؤدي إلى الإبقاء على بنيامين نتنياهو في سدّة الحكم في حال استطعنا ذلك، وليس سهلا وبالذات في البعد الأخلاقي، التوصية على غانتس. وكل من اختار اللعبة البرلمانية تقف أمامه حدود الخيار الواحد العصيّ.

توجد إشكالية عامة، وهي تتمثّل بتلك الأوهام لدى أوساط معينة والتخوفات لدى أوساط معينة أيضًا، بأنّ التوجّه بالتوصية على غانتس، سوف يجعلنا شركاء في حكومته. لكن على أرض الواقع، فإنّ القوى الوطنية لا تستطيع ذلك وليست معنيّة، ومن منطلقات أخلاقية وسياسية، وغانتس لا يستطيع وغير معنيّ بذلك من منطلقات صهيونية. وهذا ما حصل مع الكتلة المانعة في حينه. لكن التوصية كما حصلت هي الخيار الأصعب، وهي الخيار السياسي الوحيد (والتشديد على السياسي).

في الحديث عن مجرمي الحرب، فهذه ليست صفة جديدة لتحديد موقف سياسي معين، بل أينما ذهبنا نكاد نصطدم بمجرمي حرب، وليست صفة تلازم اليمين الإسرائيلي فحسب. هكذا كان مع حكومة برئاسة قائد أركان احتلال 1967، إسحق رابين، والكتلة المانعة عام 1992، التي هدفت إلى إسقاط حكومة إسحق شمير (قائد التنظيم الإرهابي "ليحي" ومن قادة تنظيمي "إرغون" و"شتيرن" المتورطين بمجازر وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية)؛ وهكذا كان عام 1999، عندما سحب د. عزمي بشارة عشية الانتخابات ترشحه لرئاسة الحكومة، الأمر الذي ساهم في انتخاب إيهود براك وإسقاط حكومة نتنياهو الأولى (حينها كانت انتخابات مباشرة لرئيس الحكومة).

لقد سبق ذلك تجربة أخرى في العام /1996 في التنافس بين صاحب جائزة "نوبل" للسلام ومجزرة قانا وسياسات التطهير والديمغرافيا وأسلحة الدمار الشامل، شمعون بيرس، والذي أسقطته جماهير شعبنا عقابًا على مجزرة قانا ليتفوق نتنياهو عليه. وتطول قائمة المتورطين في جرائم الحرب، ولا يخلو منها بن غوريون ولا غولدا مئير ولا مناحيم بيغن وشارون، أو أي رئيس حكومة آخر.

هل كان أي خيار أمام التجمع عام 1999 غير ما قام به، بعد مناورة ذكية وجديرة بالتمعن؟ لا أظن ذلك، وهي اللعب على أقصى حدود الممكن في اللعبة البرلمانية، وضمن الحفاظ على الثوابت والقيم الوطنية والأخلاقية. والحديث هنا عن مرحلة نهضوية في حياة التجمع حديث العهد حينها، وفي مرحلة وصل خطابه السياسي ذروة سعته وأثره، ومع ذلك حسم قراره كما حسمه، آخذًا بالحسبان مبادئه وتقييمه السياسي وموازين القوى، التي تتيح له أن يقوم بدوره بروح أهدافه، وبالشكل الأفضل الممكن.

بعد الحسم بشأن كنس نفوذ الأحزاب الصهيونية داخل جماهير شعبنا، وهذا عائد إلى تراكم نضالي منذ العام 1948، وكانت إحدى محطاته المؤسسة هي انتخابات 1977 وانقلاب النخب الإسرائيلية؛ وفي ما يخصنا، فإنها الانتخابات التي تلت إضراب يوم الأرض وجاءت بروحه، وفازت حينذاك الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة حديثة العهد، بأكثر من 50 في المئة من أصوات الجماهير العربية، مقابل نفوذ كل الأحزاب الصهيونية، لتشكل نقطة تحوّل ومنحى ما زال مستمرًا لغاية اليوم، وهذا بفضل جماهير شعبنا وقواها السياسية والمجتمعية.

بعد هذا الحسم الواضح، فإن الخيار الجوهري والحقيقي اليوم، هو ما بين موقفين اثنين: إما المشاركة في اللعبة البرلمانية الإسرائيلية أو رفضها سياسيًا. لكن النقاش حول التوصيات هو في ساحة التيارات المعنية بانتخابات الكنيست، والمتمثلة في القائمة المشتركة.

في تبريره لموقفه، يسعى التجمع كما أفهمه، إلى إيصال رسالة مفادها بأن تصويته تكتيكيا يعود إلى اعتباراته داخل القائمة المشتركة، وليس جوهريًا، أي أنه يرفض التوصية على غانتس. بغض النظر على الالتباس في الديباجة وتسويغات القرار، لا اعتقد أنه كانت أمام حزب التجمع خيارات أخرى، إلا الخروج من اللعبة البرلمانية الإسرائيلية، وهو ليس هناك، فقد حسم هذا الأمر منذ نشأته. وسوف تحكم الأيام في مدى صواب الموقف الأخير، وعندها سيكون الحكم تقييما لمرحلة، وليس مجرّد "نعم" أو "لا".

في المحاججة ما بين الوطني والأسرلة

يوجد توتر ثابت وبنيوي بين محاربة الأسرلة والعمل في الكنيست، لكن هناك أيضا توازنات داخلية اجترحتها الحركة السياسية في مسيرتها النضالية متعددة المجالات، لتغليب بناء الهوية الوطنية حول الحقوق الوطنية لشعبنا وجماهيره الباقية في وطنها. وقد تحققت هذه التوازنات والتي تعتبر إنجازًا، في إطار العمل الشعبي ولجنة المتابعة العليا وما سبقها من أطر جامعة، مثل لجنة الدفاع عن الأراضي واللجان الشعبية المتعددة المناحي، والحركة الطلابية المنظمة والعمل الأهلي والحراكات الحالية على تنوعها. وسوف يلازم هذا التوتر العمل السياسي الفلسطيني في الداخل. وهذا يتطلب عملا دؤوبًا سواء في إطار كل حزب أو حركة، وكذلك في ما بين الأحزاب والحركات السياسية، إذ إن التعامل مع هذه التوتر يخلق توترات داخلية حزبية وعامة. ولذلك، من الأهمية بمكان التعامل معه كحالة ملازمة للعمل السياسي في ساحته الوطنية.

في الانتخابات الأخيرة، حققت القائمة المشتركة إنجازا سياسيًا كميًا ومعنويًا، يفوق مجموع التأييد لأحزابها في ما لو خاض كل حزب الانتخابات بمفرده. وهذا واقع جديد، يفتح المجال لواقع لا تستطيع القوى السياسية الإسرائيلية تجاهله أو تجاوزه، وهذا من شأنه أن يعزز التوتر المذكور، لأن الإنجازات فيها استحقاقات كما الإخفاقات وأكثر.

كما وتعاملت أوساط ليست بقليلة مع المشتركة مباشرة وليس من خلال أحزابها، أي أنها اكتسبت صفة الكيانية التي كانت محصورة وبحق في لجنة المتابعة العليا. هذا الإنجاز يضع تحديات كبيرة أمام الحزب السياسي وأمام لجنة المتابعة. إنها تحديات ليست من النوع الذي تعاد فيه العجلة إلى الوراء، بل في تطوير التنظيم السياسي، تنظيميًا وسياسيًا، وكذلك التنظيم الجماعي، أي لجنة المتابعة وملاءمة بنية ودور هذه الأطر للحالة المستجدة.

دور الحزب السياسي مقابل النجومية الفردية

إن العولمة المتسارعة ووسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحوّلات كبرى في المفاهيم الحزبية ومفاهيم العمل السياسي، سواء في التجنيد أم في العلاقة بالناس، أو في دور الكادر ومفهوم الكادر. ومن حيث المضمون، فيها جوانب تشدّ باتجاه تفريغ الحزب السياسي من مضامينه وتسطيح مستوى النقاش والتآكل في مفهوم المبادئ او الثوابت وأخلاقيات العمل الجماعي لصالح نجومية الفرد. وهذه تحوّلات لا تبدو رجعة عنها في المدى المنظور؛ بل إن الإبداع الممكن هو في تطوير مفهوم الحزب وملاءمته لها والتسليم بها، لكن ليس التسليم لها. وأعتقد في هذا الشأن، أن مفهوم الحَراكات، وتحديدًا الشبابية المحلية والفلسطينية الشاملة والتخصصية والعالمية، قد تعزز، والأحزاب مدركة لذلك وتعمل في هذه الساحة، وباعتقادي أنها تعمل بتردد ودونما وضوح رؤية ومنهجية.

لكن التحولات ليست فقط عالمية ومعولمة، بل هناك تحولات بنيوية في المجتمع الفلسطيني في الداخل وفي الحالة الفلسطينية والعربية البائسة. وسوف أحصر الأمر في التحولات في الداخل، والمقصود هو أنه من إنجازات جماهير شعبنا وحركتها السياسية منذ عام 1948 ولغاية اليوم، هو الاتساع الكبير للطبقات الوسطى، وهذا نتاج النضال المتراكم لفتح أبواب التعليم العالي أمام الأجيال الشابة والتخصصات، وفتح بوابات التشغيل للطاقات المهنية في الاقتصاد الإسرائيلي المعولم، والتي كانت موصدة بمفتاح العنصرية، لكنها لم تستطع تجاوز الطاقات العلمية والمهنية المتميزة العربية.

كلها إنجازات ساهمت وتساهم في خلق شريحة واسعة تعمل في المرافق الإسرائيلية، وهذا تحوّل جوهري ينعكس في المزاج السياسي والوطني، وهو ينعكس أيضا في تركيبة القائمة المشتركة. هذا التحول ينعكس أيضا في النقاشات والاصطفافات داخل الأحزاب وفي ما بينها.

أعضاء وعضوات الكنيست مؤتمنون على مصالح جمهور منتخبيهم وعلى سياسات أحزابهم، لكنهم ليسوا المسؤولين وليسوا المخولين في تحديد وجهة العمل السياسي ومناحيه، بل هذا هو دور الحزب بهيئاته.

في النقاش الدائر، هناك مسعى لتحميل العمل البرلماني أكثر مما يستطيع وأكثر مما ينبغي حمله، ونعفي الأحزاب من مسؤوليتها في خلق التوازن لصالح العمل على الأرض وبين جماهير الشعب، وهذه مهمة كل حزب، وإن تراجعت مع تصاعد وزن النجومية الفردية على حساب المضمون، والتحدي هو للأحزاب، وفي هذا السياق للتجمع.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"