القدس الشرقية في زمن الكورونا

القدس الشرقية في زمن الكورونا

د. وليد سالم

نُشر الكثير عن المشاريع الاستيطانية الاستعمارية في القدس، والجارية على قدم وساق رغم انتشار وباء كورونا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مشاريع إقامة عشرات الآلاف من الوحدات السكنية في مناطق ما يسمى بـ"عطروت"، و"E1"، و"غفعات همتوس". هذا إضافة لإنشاء حي استيطاني استعماري جديد في بيت حنينا. وتوفر مؤسسات إسرائيلية مثل "عير عميم" و"حركة السلام" الآن التفاصيل حول هذه المشاريع التي بدأت قبل انتشار فيروس كورونا ولا زالت مستمرة، ويرتبط بها إنشاء جدار يفصل قرية الشيخ سعد عن جبل المكبر، وشوارع وأنفاق لربط كافة المستعمرات المحيطة بالقدس من الشمال والشرق والجنوب بعضها في بعض، وشوارع وأنفاق أخرى للفلسطينيين تربط مناطق الضفة معا دون المرور بالقدس المضمومة إلى إسرائيل والتي توسعها الأخيرة يوما بعد يوم على حساب الأراضي الفلسطينية.

رغم هذه التطورات ساد وهم عند البعض بأن مشاريع الأسرلة والتهويد قد تتراجع في ظل الأزمة الإنسانية المشتركة التي تصيب الإسرائيليين والفلسطينيين معا، كما أن البعض قد تخيل أن الخطوات لمنع أهالي مخيم شعفاط وكفر عقب للقدس الشرقية والقدس الغربية قد يكون مقدمة لتنفيذ حل سياسي بنقل هذه المناطق إلى سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية. ولكن هذا الوهم جوبه بمشروع "زئيف إلكين" القديم الجديد والقاضي بإخراج هاتين المنطقتين من تعداد القدس بشقّيها الغربي والشرقي، لمعالجة مشكلة التوازن الديمغرافي في المدينة لصالح اليهود أكثر، ولكن في المقابل لم يطرح إلكين نقل هاتين المنطقتين للسلطة الفلسطينية، بل طلب تكوين جسم بلدي خاص بهما يرتبط بعلاقة تنسيق مع بلدية القدس الإسرائيلية، وكذلك مع بقاء السيادة الإسرائيلية على هاتين المنطقتين. وتعني أطروحة إلكين أن عاصمة الفلسطينيين التي طرحت صفقة القرن إقامتها في هاتين المنطقتين مضافًا لهما أبوديس لن تكون أكثر من حكم ذاتي إداري بلدي تحت السيادة الإسرائيلية.

عوضا عما تقدم تسيّس إسرائيل موضوع كورونا لصالحها بالطبع، كي تُحكم قبضتها على القدس الشرقية، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أمرين:

الأمر الأول: ملاحقة إسرائيل واعتقالها للشبان الفلسطينيين الذين قاموا بتعقيم البلدة القديمة من القدس وحارات أخرى داخل المدينة، وكذلك قيامها باعتقال شبان لمجرد قيامهم بتوزيع نشرات مطبوعة من قبل مؤسسات فلسطينية حول فيروس كورونا، يضاف إلى ذلك حملات الاقتحامات والتنكيل المستمرة سيما في العيسوية وغيرها من المواقع، ما أثار تساؤل مؤسسة "عير عميم" الإسرائيلية عما ينبغي لأهل العيسوية أن يخافوه أكثر: أهو كورونا، أم قوات الاحتلال وبطشها وقمعها؟

الأمر الثاني: هو الأقصى، فرغم تساهل إسرائيل مع عقد الصلاة داخل الكُنُس اليهودية، كي لا تستثير غضب اليهود المتزمتين، فإنها في المقابل قد فرضت قيودا على دخول المسلمين للمسجد الأقصى، فيما لم تفرضها لحد أسبوع مضى على دخول مجموعات "جبل الهيكل" المتطرفة إلى الأقصى، كما أنها قامت بإرسال غرامة مالية للأوقاف الإسلامية لأنها سمحت "بتجمهر" أكثر من 10 أشخاص للصلاة في الحرم، وهذا رغم أن الأوقاف كانت قد أصدرت تعليمات للمصلين يوم 15 آذار/ مارس الجاري، تُلزم بأن تكون الصلاة في الساحات الخارجية فقط، وتنصّ على ضرورة أن يبتعد كل واحد منهم عن الآخر، كما أمرت الخطباء والأئمة بعدم إطالة وقت الصلاة وهكذا، إلا أن اسرائيل قد ضربت عرض الحائط بكل إجراءات دائرة الأوقاف هذه، وقامت بالتشديد على الفلسطينيين فيما سمحت لغلاة المستوطنين بالاستمرار باقتحام الأقصى.

استمر هذا الوضع حتى قبل أيام قلائل حيث اتفقت حكومتا الأردن وإسرائيل على وقف دخول المتطرفين اليهود للحرم، وتلى ذلك بيان للأوقاف قي الثاني والعشرين من الشهر الجاري آذار، بإغلاق الأقصى، وذلك رغم كل القلق بأن تتراجع إسرائيل، وتعود للسماح للمتطرفين اليهود بالدخول إلى الأقصى مستغلة فراغه من وجود المصلين الفلسطينيين.

يجب أن تبقى أعيننا يقظة لمتابعة التطورات بخصوص الأقصى، وكذلك بخصوص المشاريع الاستيطانية الاستعمارية الجارية، فإسرائيل لا تزال تتابع خطواتها لاستكمال الأسرلة والتهويد، وتشير الوقائع إلى أنه لا يجب أن يساور أحد أي وهم أنها ستتراجع عن هذه الخطوات لدوافع لها علاقة بفهمها للمصير الإنساني المشترك لها وللشعب الفلسطيني على ضوء أزمة كورونا.