نتنياهو بين انتخابات رابعة ومصيدة

تحليل || نتنياهو بين انتخابات رابعة ومصيدة

بلال ضاهر

عقب يائير، نجل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، على مظاهرة نددت بفساد والده في تل أبيب، أمس الخميس، بتغريدة في "تويتر"، قال فيها إنه "آمل أن المسنين الذين سيموتون (من جراء الإصابة بفيروس كورونا) في أعقاب هذه المظاهرة سيكونوا من معسكركم". إلى هذه الدرجة بلغ حجم كراهية عائلة نتنياهو للخصوم السياسيين. والأنكى من ذلك أن مؤيدي نتنياهو رحبوا بشدة بهذه التغريدة قبل أن يمحيها من حسابه.

ولم يكن أمام نتنياهو سوى الإعلان عن أنه لا يوافق على تغريدة نجله، لكن هذه التغريدة لم تأت من فراغ، وإنما من الأجواء التي تعيشها عائلته. فنتنياهو فشل حتى الآن، وبعد ثلاث جولات انتخابية، بتشكيل حكومة، ما أدى إلى دخول إسرائيل في أزمة سياسية غير مسبوقة. ولا شك أن إحباط نتنياهو شديد في أعقاب نتائج الجولات الانتخابية الثلاث التي جرت في السنة الأخيرة.

فمن جهة، حصل معسكره على قرابة نصف أعضاء الكنيست في هذه الجولات – 60 مقعدا في انتخابات نيسان/أبريل 2019، و59 مقعدا (مع النائبة أورلي ليفي أبيكاسيس) في أعقاب انتخابات آذار/مارس 2020 – لكنه لم يفز بـ61 مقعدا الضرورية لتشكيل حكومة. ومن الجهة الأخرى، لم تفرز الانتخابات عن وجود منافس قوي له، ولم يكن بإمكان رئيس "كاحول لافان"، بيني غانتس، تشكيل حكومة مدعومة من نواب القائمة المشتركة، لأنه يوجد إجماع إسرائيلي على رفض الاعتماد على العرب لدى تشكيل حكومة.

وشكل نتنياهو كتلة أحزاب اليمين والحريديين، منذ انتخابات أيلول/سبتمبر 2019، والتي باتت قوة واحدة متكتلة ومتماسكة، داعمة لنتنياهو. وظهرت بوادر تشقق هذه الكتلة، في الأسبوعين الماضيين، على إثر انشقاق كتلة "كاحول لافان"، ودخول حزب غانتس في مفاوضات مع الليكود حول تشكيل حكومة وحدة. وخلال هذه المفاوضات توصل الجانبان إلى تفاهمات تقضي بتقاسم الحقائب الوزارية مناصفة بين كتلة اليمين كلها وبين "كاحول لافان"، الأمر الذي دفع تحالف أحزاب اليمين المتطرف "يمينا" إلى انتقاد هذه التفاهمات، التي لن تبقي لهم حقائب هامة. وقال رئيس "يمينا"، نفتالي بينيت، إن "نتنياهو يهتم بنفسه فقط"، أي أن نتنياهو يسعى إلى تشكيل حكومة مع غانتس من أجل إنقاذ نفسه من المحاكمة.

إلا أن المفاوضات مع "كاحول لافان" وصلت إلى طريق مسدود، حتى بعد تنازل الجانبين عن شروطهما الأولية. فقد تراجع "كاحول لافان" عن رفضه ضم مناطق في الضفة الغربية إلى إسرائيل، بعدما كان يطالب بتنفيذ ذلك من خلال "موافقة دولية"، وتراجع الليكود عن مطالبته بتعديل تشكيلة لجنة تعيين القضاة من أجل منع تعيين قضاة غير موالين لنتنياهو ومعسكر اليمين.

وتبين خلال اليومين الأخيرين قبل انتهاء مهلة غانتس بتشكيل الحكومة، أن الخلاف الذي منع التوصل إلى اتفاق بين "كاحول لافان" والليكود على تشكيل "حكومة طوارئ قومية"، في ظل انتشار فيروس كورونا، هو على سن قوانين تلتف على المحكمة العليا وتلغي قرارا صادرا عنها، في حال قررت إثر تقديم التماسات منع نتنياهو من تولي منصب رئاسة الحكومة، بسبب لائحة الاتهام المقدمة ضده وتنسب له مخالفات فساد خطيرة، بينها الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. كذلك اشترط الليكود أنه في هذه الحالة ينبغي أن تحل الحكومة نفسها، وكذلك تفعل الكنيست، والتوجه إلى انتخابات رابعة. ولم يوافق "كاحول لافان" على ذلك.

والأمر الواضح هو أن نتنياهو يتخوف من إصدار المحكمة العليا قرارا كهذا، بل أنه يتوقع مثل هذا القرار. كما أن نتنياهو بات مقتنعا، على ما يبدو، بأن ما سينقذه من المحاكمة في ملفات الفساد ضده، وما سيلجم المحكمة العليا من منع استمرار توليه رئاسة الحكومة، هو تشكيل حكومة يمينية، تستند إلى كتلة اليمين، التي تدعم أي خطوة ضد الجهاز القضائي.

لكن نتائج الانتخابات الأخيرة لا تمكنه من تشكيل حكومة كهذه، لأن قوة كتلة اليمين 59 عضو كنيست. كذلك صرّح عضوا الكنيست اليمينيان، تسفيكا هاوزر ويوعاز هندل، اللذان انشقا عن كتلة "كاحول لافان"، لرفضهما تشكيل غانتس حكومة مدعومة من القائمة المشتركة، بأنهما لن يدعمان حكومة يشكلها نتنياهو ولا تكون حكومة وحدة. ويعني ذلك أنه ليس بمقدور نتنياهو تشكيل حكومة في الوضع الحالي. ولا يتوقع حلا لهذا الوضع خلال مهلة الـ21 يوما التي يشملها تفويض الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، للكنيست بترشيح أحد أعضائها ليشكل حكومة.

ويعني ذلك أنه لم يعد أمام نتنياهو سوى التوجه إلى انتخابات رابعة، خاصة وأن نتائج استطلاعات، نُشرت مؤخرا وأخرى بقيت داخلية لدى الأحزاب، تشير إلى أن حزب الليكود قد يحصل على قرابة 40 مقعدا في الكنيست، وكتلة اليمين على 64 مقعدا. رغم ذلك، فإنه ليس مؤكدا أن تكون النتائج الحقيقية لانتخابات مقبلة في هذا الاتجاه، خاصة وأنه بدا الآن واضحا جدا أن نتنياهو مستعد لإدخال الدولة في معركة انتخابية، من أجل إنقاذ نفسه أولا، وثانيا أنه يفعل ذلك في ظل أزمة انتشار وباء كورونا.

إلى جانب ذلك، هناك محاولة أخرى لتغيير الاتجاه الذي يريده نتنياهو. فقد أعلن رئيسا كتلة "ييش عتيد – تيلم"، يائير لبيد وموشيه يعالون، عن عزمهما تقديم مشروع قانون إلى الكنيست، يقضي بتجميد الوضع السياسي الحالي في الكنيست لمدة ستة أشهر، والتركيز خلال هذه الفترة على مواجهة انتشار كورونا. وأن تستمر ولاية حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة نتنياهو خلال هذه الفترة. وهذا مشروع قانون يمكن أن يحظى بتأييد أغلبية في الكنيست.

ورغم أن مشروع القانون هذا يبدو "بريئا" وغايته المصلحة العامة، لكن قد تكون هذه مصيدة تقف وراءها غاية أخرى، وهي أنه خلال الستة أشهر المقبلة، يفترض أن يتضح أكثر وضع نتنياهو القانوني، ومصير الاتهامات ضده، وبذلك تنتهي ولاية حكومة تصريف الأعمال فيما يكون نتنياهو أضعف من اليوم. ولا شك أن نتنياهو مدرك ذلك، لكن حل الكنيست يحتاج إلى أغلبية لا يملكها.