"الفلسطينيون قد يعشقون الدولة الواحدة"

"الفلسطينيون قد يعشقون الدولة الواحدة"

سليمان أبو إرشيد

في كتابه "المنذر" الذي صدر مؤخرا، وهو عبارة عن أحاديث أجراها معه الصحافي شمعون شيفر من "يديعوت أحرونوت" خلال السنتين الأخيرتين، يقول من كان منسق شؤون المناطق المحتلة ورئيس القسم الأمني السياسي في وزارة الأمن الإسرائيلية سابقا، واضطلع بالعديد من المهمات السياسية مقابل مصر وحماس في عهد حكومة إيهود أولمرت، ويشغل اليوم منصب رئيس مؤتمر هرتسليا التابع للمركز متعدد المجالات، الجنرال عاموس غلعاد، إنه اعتقد دائما أن احتمالات التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين كانت دائما ضئيلة، إلا أنها مع مرور الزمن تتلاشى نهائيا، ويحذر من أن الفلسطينيين سيعشقون في النهاية فكرة "الدولة الواحدة لشعبين" لأنها تخدمهم ديموغرافيا وسياسيا.

في السياق ذاته، يحذر مدير مكتب رئيس الحكومة في عهد إيهود براك، والمبعوث الخاص في المهمات الصعبة لفترة طويلة، ويعمل اليوم باحثا في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، المحامي غلعاد شير، في مقال نشرته "هآرتس"، من خطورة الضم الذي يدفع باتجاهه "اليمين الديني المسيحاني" والذي أصبح يهيمن على القرار السياسي في إسرائيل.

ويرى شير أن الخلاف القائم في إسرائيل بما يتعلق بالشأن الفلسطيني ليس خلافا بين يمين و"يسار" كما كان سابقا، بل بين "أمنيين إسرائيليين" يدافعون عن أمن إسرائيل وطابعها (اليهودي) وبين "متدينين مسيحانيين" من اليمين العميق أصبحوا يملون مواقفهم على اليمين الحزبي.

ويقول إن المجموعة الأولى تحب الجيش الإسرائيلي وتدافع عن ما يصفه بقيم "وثيقة الاستقلال" وتضم رجالا من اليمين ومن "اليسار"، في حين أن أفراد المجموعة الثانية لا يترددون بالمس بجنود الجيش الإسرائيلي وتعطيل عملياته أو الدفاع عن سياسيين فاسدين في إسرائيل والعالم مقابل تأمين ضم المناطق (المحتلة) لإسرائيل.

وللتدليل على الدور الذي يلعبه "اليمين الديني المسيحاني" في التأثير على القرار السياسي، يشير مدير مكتب رئيس حكومة إسرائيل الأسبق، إلى أن حكومات اليمين (العلمانية) المتعاقبة امتنعت منذ أن تنازلت الأردن عن حقها في السيادة عليها عام 1988، عن ضم أجزاء من الضفة الغربية وسحب القانون الإسرائيلي عليها خلال الـ32 عاما الماضية، بخلاف الجولان وشرقي القدس، بوعي مسبق وليس بسبب عدم وجود إدارة أميركية تسمح بذلك.

وأشار إلى أن جميع قادة الأجهزة الأمنية المتعاقبين بمن فيهم بيني غانتس وغابي أشكنازي، قبل انضمامهم إلى حكومة بنيامين نتنياهو، كانوا لا يرون فائدة تذكر في السباق الجنوني لسحب السيادة الإسرائيلية على 30% من الضفة الغربية، بل رأوا بذلك انحرافا عن رؤية دولة إسرائيل كدولة يهودية "ديمقراطية" و"أخلاقية" ذات حدود معترف بها وتحظى بشرعية دولية، وأن خطوة كهذه ستواجه بمعارضة دولية وتمس بعلاقات السلام مع الأردن ومصر وتتسبب بأعمال عنف وإرهاب وتؤدي إلى وقف التنسيق الأمني وانهيار السلطة الفلسطينية.

ويبدو أن شير أيضا يتخوف من أن يعشق الفلسطينيون حل الدولة الواحدة، بما يشكله من خطر على "نقاء" الدولة اليهودية، كما حلم بها هرتسل وصممها بن غوريون بعد تهجير غالبية سكان فلسطين العرب لتحقيق هذا الغرض، وهو يرى في الضم أحادي الجانب نهاية المشروع الصهيوني.

إلا أن التيار "الديني المسيحاني" الذي يدفع باتجاه ضم الضفة الغربية كلها وتحقيق "حلم أرض إسرائيل الكاملة"، لا يقيم وزنا للديموغرافيا ليس لأنه يعتقد أن بإمكانه إقامة دولة يهودية بدون أغلبية يهودية حتى بثمن أن تكون دولة أبارتهايد فقط، بل لأنه يؤمن بأنه الأقدر على تكرار تجربة التطهير العرقي التي نفذتها الصهيونية العلمانية وأنه المرشح لاستكمال ما توقفت عنده عام 1948 ولم تجرؤ على ترجمته بعد حرب 67.

وإن كان هذا التيار قد استنكف عن المساهمة في المشروع الصهيوني في بداياته الأولى، فإنه يرى بنفسه اليوم المؤهل تاريخيا لاستكمال هذا المشروع، علما بأن دوره الحالي يقتصر على كونه السوط الذي يُساق به اليمين الصهيوني العلماني لتنفيذ هذه المهمة التي يرى بها شير وغيره حتف المشروع الصهيوني.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"