لماذا لا نحتاج جنود الجبهة الداخليّة في بلداتنا؟

لماذا لا نحتاج جنود الجبهة الداخليّة في بلداتنا؟

طارق طه

بنطال أخضر وجزمة بنيّة عسكرية محكمة ببنود متشابكة، هكذا بدا شكل عساكر جيش الاحتلال الإسرائيليّ الذين دخلوا قرانا ومدننا الفلسطينيّة في الداخل، محمّلين الطرود الغذائيّة والمواد التموينيّة على اختلافها ليشكّلوا "جبهة إنقاذ" للوقاية من جائحة كورونا، ليصبح وجه الشّر نيّرًا، ويا للسخرية، وتظهر العلاقة بين هؤلاء وبين أبناء القرى والمدن كمشهدٍ اعتيادي وهو بطبيعة الحال ليس كذلك.

ليس من الصحي الخوض بنقاش التأويلات حول دوافع تأسيس "الجبهة الداخلية" خصيصًا، ولا العودة إلى تاريخها، لأن المنظومة التي تأمر بقتل الفلسطيني وتضييق الخناق عليه، هي نفسها المنظومة التي تأمر بتوزيع مواد التموين على المواطنين في حالة الحرب أو الكارثة الطبيعيّة.

وبهذا السياق استطاع جيش الاحتلال على أن يحيّر الفيلسوف إيمانويل كانط في قبره، ما إذا كان الإنسان يقدر على تبنّي مسارين نقيضين في آن، الخير والشّر، وأيضًا "هزموا" نظريّة حنا أردنت التي ادّعت أن الشرّ قد يكون تافهًا ولا دوافع له، بينما الخير يحتاج الإيمان المطلق به لكي تسلك منه طريقًا.

لا، ليس رفض مواد التموين هو الحل، ولا، ليست الوطنيّة الفائضة هي التي تملأ فراغ الحاجة إلى المساعدة عند أبناء شعبنا، الحلُ هو إعادة تفعيل نشاط لجان الأحياء واللجان الشعبيّة في كل البلاد العربيّة، لتكون هذه الجهات هي الوحيدة المخوّلة بالتواصل المباشر مع أبناء البلدة وليس الجيش وجنوده، وبالمناسبة "هذا من ضمن صلاحيات السلطات المحليّة وفقًا للوثيقة الرسميّة بين تنسيق عمل السلطات المحليّة والجبهة الداخلية (2015)".

وما يثير القلق أن قيادة "الجبهة الداخليّة" تجتمع برؤساء مجالسنا وبلدياتنا وتلتقط الصور معهم بابتسامات عريضة، ليصبح هذا المشهد مستفزًا لدرجة الشعور بأن الضّباط أصبحوا جزءًا من إدارة شؤون القرية واتخاذ القرارات فيها، وللحقيقة المؤلمة أن السلطات المحليّة محكومة بالسّلطة المركزية العليا - وهذا ما يبرر تلك اللقاءات في إطارها الرسمي- أما الذي لا تبرير له هو أن تُرفع مشاهد وصور التعاون بين أبناء البلدات المتطوعين وبين جنود الاحتلال على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إعلاميّة محليّة، فهذا الحال يشير إلى منعطف يستوجب الوقوف عنده.

لماذا استنفر الجنود للتواجد بكثافة في القرى والمدن العربية؟ لأن الشعور بالأمان في هذه الفترة هو المطلب الأول وكلمة السر لسرقة قلوب الناس، لاحظوا أن جيش الاحتلال وصل لمرحلة القناعة التي تفضي بأن وجوده العسكري بزيّه الرسميّ في قرية عربيّة لم يعد يثير الفزع في نفوس الناس، بل على العكس، رأوا بأن هناك مساحة يمكنهم من خلالها أن يشرّعوا هذا الحضور باستغلالهم الظروف الراهنة التي يحتاج فيها الناس إلى دعم ورعاية.

وإذا أخذت قوات جيش الاحتلال ووحداته، الضوء الأخضر من صمت الفلسطينيين وعدم رفضهم لهذه المظاهر، فعلى ما يبدو لن يتردد وسيتجرأ الاحتلال في سنوات قادمة على فرض الخدمة العسكريّة الإجباريّة في "الوحدات الناعمة" من الجيش، ليطرح نفسه كجسم "جبهة الإنقاذ" الوحيد القادر على إدارة أزمات مستقبليّة كهذه أو غيرها.

لذلك، إن مسؤوليّة رفض تطبيع هذه المشاهد تقع على السلطات المحليّة العربيّة، لأنها تملك الصلاحيّة الكاملة في إدارة حالة الطوارئ في البلدات ميدانيًا، ولدى السلطات إمكانية التوظيف المؤقت وتجنيد المتطوعين في البلدة من مجموعات شبابيّة مستقلة، وإذا لزم الأمر بتدخل "جنود الجبهة الداخلية" فيمكن للسلطات أن تطلب المساعدة، وفي هذه الإمكانات المتاحة، أولًا، يمكن أن توفّر فرص عمل مؤقتة لمهنيين يؤدون أدوارًا تساهم في احتواء الأزمة، وثانيًا، تمنع تطبيع العلاقة مع المؤسسة العسكرية.

وعلى لجنة المتابعة العليا التي تقوم هي ولجانها المنبثقة عنها بدورٍ هام ملحوظ في أزمة كورونا، أن تأخذ دورًا رياديًا في توجيه رسائل وتوصيات سياسية، إلى اللجنة القطريّة لرؤساء السلطات المحليّة، بكيفيّة إدارة الأزمة رسميًا مع الجهات الحكوميّة الخاصّة، لأنه وللأسف، معظم سلطاتنا تفتقر للمهنيّة والتخطيط طويل الأمد، وبحاجة لمن يوجّهها سياسيًا في ظروف كهذه.