في الموقف من الانتفاضة الأميركية والعربية

في الموقف من الانتفاضة الأميركية والعربية

عوض عبد الفتاح

وأنت تشاهد وتستمع إلى وسائل إعلام أنظمة القهر العربية، خصوصًا تلك التي تُميز نفسها عن الأنظمة الخليجية أو النظام المصري في تغطية الانتفاضة الأميركية العارمة، تدرك مرة أخرى عمق الحالة السريالية والعبثية التي تعيشها تلك الأنظمة، وتحديدًا تلك النخب التي تروج لها بصورة فجة، وتكشف عن بؤسها ورثاثتها، وخطورتها على الوعي.

بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع الإمبراطورية الأميركية، والأنظمة الشعبوية اليمينية العنصرية في العالم، ومنها نظام الاستعمار الصهيوني، تخشى من إمكانية أن تطيح الانتفاضة الجبارة التاجر الأهوج، دونالد ترامب، في الانتخابات القريبة. ذلك أن الكثير من خطط هذه الأنظمة وسياساتها الخطيرة، ستتعثر أو تسقط في حالة خسارته السلطة.

في المقابل، ترغب الأنظمة العربية المستبدة بسقوط ترامب، وتعيش حالة نشوة وهي تراقب المقهورين السود وحلفائهم البيض، يفجرون غضبهم المتراكم في مختلف الولايات والمدن الأميركية، رغم أن هذه الأنظمة وخصوصًا النظام السوري، استعادت وعززت علاقاتها مع أنظمة خليجية متحالفة مع الكيان الصهيوني علنًا، مثل الإمارات وإلى حد ما المملكة السعودية، التي تسعى بصورة منهجية لجعل ايران عدو الوطن العربي بدل إسرائيل.

كل الشعوب المقهورة وأولهم الشعب الفلسطيني، وهو من أكثر المتضررين من النظام الأميركي الإمبريالي، تتوق للحظة يسقط فيها هذا النظام المجرم أو على الأقل أن تحدث فيه تغييرات هامة تتصل بسياساته المساندة للجريمة الاستعمارية في فلسطين منذ أكثر من قرن، وبسياساته وخططه ضد شعوب العالم. ولكن التغطية الإخبارية والتعليقات والتحليلات الصادرة تباعًا عن وسائل إعلام هذه الأنظمة التي تدين ممارسات الشرطة الأميركية ضد المواطنين السود، باتت تثير السخرية والاستهزاء كونها مجيرة سياسيًا للتغطية على جرائم الأنظمة القاتلة، وليس لإظهار التضامن مع السود والمقهورين بشكل عام.

وعلى سبيل المثال، لقد كشفت وسائل إعلام عربية واسعة الانتشار، عن العطب المهني والأخلاقي في عملية تغطيتها الانتفاضات العربية. مثلا قناة "الجزيرة" في تغطيتها للثورة السورية، غطت جرائم النظام السوري ضد شعبه بصورة مكثفة، ولكنها تجاهلت جرائم الفصائل الجهادية السلفية التي ساهمت إلى جانب النظام في تدمير الثورة. أما قناة "الميادين" فقد تجاهلت عمدًا جرائم النظام السوري منقطعة النظير، وتعاملت مع الثورة باعتبارها مجموعة من الإرهابيين، وأظهرت "داعش" و"جبهة النصرة" ومجموعات إجرامية عديده أخرى، وكأنها الوجه الوحيد للثورة. أما الشعب الذي ثار لأكثر من سبعة أشهر سلميًا وبصورة مذهلة، والذي كان مناصرًا للمقاومة اللبنانية في مواجهتها مع إسرائيل، فجرى التعامل معه على أنه شعب مخدوع ومحرض من الخارج.

وكما هو معلوم، فقد أعمل النظام قتلاً وذبحًا بالمنتفضين السلميين، ما فتح الطريق أمام تلك الفصائل الجهادية السلفية ولتدخل أنظمة خليجية وأميركا وإيران وتركيا، ومن ثم روسيا، وصولاً إلى الوضع الحالي حيث باتت سورية تعيش تحت جميع هذه الاحتلالات، إضافة إلى الاحتلال الاستعماري الصهيوني في الجولان.

لم يعد الفلسطيني العادي أو المواطن العربي العادي، يتحرج من عقد مفاضلة بين تعامل الأنظمة الرأسمالية الغربية مع مواطنيها، والأنظمة العربية مع "رعاياها"، ومع قضية حرية الرأي والتعبير. لذلك تراه رغم كرهه لهذه الأنظمة، أنه يحسد المنتفضين في تلك الدول، الذين يغضبون ويقومون باعتداءات على الممتلكات العامة والسخرية من الرئيس، ومع ذلك لا تقوم قوات الأمن بحصدهم بالرشاشات والدبابات، كما في سوريو ومصر، كمثالين صارخين في وحشيتهما، أو في زج الناشطين بالآلاف، ومرشحي رئاسة، في السجون وتعذيبهم حتى الموت. بل بات المواطن يهزأ من وسائل إعلام تلك الأنظمة، حين تأتي بالمحللين الذين يستعرضون قدرتهم اللغوية في وصف جريمة جماعية أو فردية، ترتكبها إسرائيل بكل الأوصاف التي تنطبق على تلك الأنظمة التي يدافعون عنها، والتي يسوّغون فظاعاتها التي يندى لها الجبين. ذلك هو الانفصام الأخلاقي الذي كشفته الانتفاضات العربية، خصوصًا في موجتها الأولى، عند شرائح واسعة من النخب القومية واليسارية والدينية والليبرالية.

توفر الانتفاضة في الإمبراطورية الأميركية وكل الحَراكات الاحتجاجية الإنسانية في العالم العربي، والعالم كله، فرصة جديدة لإعادة تشكيل وعي أخلاقي رفيع، في مواجهة داء الانفصام الأخلاقي الذي يصيب النخب ليس في العالم العربي فحسب، بل في الإمبراطورية، نفسها وحلفائها. ففي هذه الإمبراطورية الظالمة، سوغت نخب الحكم والدوائر الإعلامية المملوكة من الرأسمال، حروبها العدوانية الخارجية ونظامها الاستغلالي المتوحش والعنصري المتبع تجاه مواطنيها.

ليس بإمكان الإنسان أن ينتصر لقضيته الوطنية والإنسانية الفردية من دون تحقيق توازن بين المصلحة والأخلاق. ومع انكشاف الأعطاب البنيوية في النظام العالمي الراهن المستبد، وفي أنظمة الاستبداد والقهر الأخرى بصورة أكثر وضوحًا من السابق، تزداد الإمكانيات والاحتمالات لاتساع دائرة الوعي، ولالتحاق المزيد من الناس بقوى التحرر والتغيير التي ترنو لحاضر وغد إنساني أفضل وعالم رحيم. ونحن الفلسطينيين، وكوننا ضحية نظام رأسمالي إمبريالي منذ نهاية القرن التاسع عشر مثل شعوب أخرى، فإن تطوير وعي تحرري إنساني شامل بات شرطًا أساسيًا لاستقطاب المزيد من أحرار العالم، وهو شرط أيضًا لبناء مجتمع سليم ومعافى وقوي في وطن محرر.