وماذا لو منعنا الضم وبقي الاحتلال؟

وماذا لو منعنا الضم وبقي الاحتلال؟

قد يحصل الضم وقد لا يحصل، ولا شيء مؤكدًا بعد، وفي الحالتين كسبت إسرائيل هذه المعركة. ما يبدو مؤكدًا هو أن دولة الاحتلال لن تقدم على ضم كافة المناطق التي تتحدث عنها في الضفة الغربية، إن لم تؤجله بالكامل. وإن أقدمت على الضم الجزئي سيكون من الصعب تصور أنها ستقدم في هذه المرحلة على ضم الأغوار وتقامر بعلاقاتها مع الأردن واتفاقية وادي عربة، وهي تدرك أن الأردن ورغم الضغوطات عليه، يفضل إلغاء الاتفاقية رغم الثمن الاقتصادي والأمني، إذا كان البديل هو وضع البنية لتأسيس مشروع الوطن البديل فيه. ومن اللافت هو الضغوطات ومساعي الابتزاز متعددة الأطراف على الأردن، سواء من إسرائيل أو الولايات المتحدة، أو من السعودية التي ستحظى بنفوذ في المسجد الأقصى إضافة إلى النفوذ الإقليمي.

إن أحد أخطر السيناريوهات الحالية هو الضم الجزئي المحدود، وجدولة المناطق الأخرى المرشحة للضم، لأن الضم الجزئي هو الأكثر قابلية للتنفيذ، ويجعل إسرائيل تتجاوز أي ضغط عربي أو توتر مع الإدارة الأميركية، كما سيجد إجماعًا صهيونيًا واسعا، ولا يتنافى مع تقديرات المؤسسة الأمنية لتداعياته.

قليلة هي اللحظات التي تجتمع فيها كل الخيارات في خدمة دولة احتلال، وهذا هو الحاصل أيًا كان القرار وكل الخيارات قابلة للتطبيق، بل أن ما سيحسم بينها هو الأولويات.

لا توجد مفاوضات بشأن الضم مع الفلسطينيين ولا مفاوضات حقيقية مع العرب. المفاوضات أو مساعي التفاهمات الحقيقية هي حول صيغة التوفيق ما بين ما بين العقيدة السياسية الحاكمة والمؤسسة الأمنية، وحول كيفية قراءة المصالح العليا لإسرائيل، وكيف تمهد لتوسيع نفوذها الإقليمي والعالمي، وذلك يخضع للقرار الأميركي أولا. ففي الخطوات الإستراتيجية كما في الحروب، فإن جدواها تقاس بالقيمة الإضافية التي توفرها الخطوة في خدمة سياسة الدول ومصالحها.

إن الضم لا يتأسس على خطة ترامب أو "صفقة القرن"، بل أن الأخيرة تأسست على الواقع الاحتلالي الاستيطاني على الأرض، وهو ما كان مدعومًا أميركيا بشكل مطلق لأن دعم دولة الاحتلال هو دعم سياساتها ودورها، بما فيه الاحتلال. وهذا الأخير لم يعد مجرد سياسة دولة بل يجد مكانه في بنية دولة. وفي الحالتين، فإن الضم سيبقى في نظر الشعب الفلسطيني والقانون الدولي احتلالا وغير شرعي كما هو الأمر بالنسبة للقدس والجولان.

إن خريطة الضم تتطابق مع خريطة القضايا المؤجلة في اتفاقيات أوسلو، وعلى فرز الضفة الغربية إلى مناطق "أ" و"ب" و"جـ". ويتحدث الضم عن مناطق "جـ"، أي الأغوار ومناطق الكتل الاستيطانية. كما تخضع هذه المناطق بشكل تام أمنيًا ومدنيًا إلى دولة الاحتلال، ووضعيتها من حيث الممارسة والحقائق على الأرض لا تختلف عن الضم.

كما يتأسس المشروع الاحتلالي على البنية القانونية والتشريعية والقضائية التي تأسست على الاحتلال والاستيطان ونهب الارض والتهويد، وجرى تغليفها جميعا بمسوغات توفر الدرع الليبرالية لإخفاء الاحتلال ولشرعنة دولته وعدوانيتها واستيطانها. إن البنية القانونية التشريعية في جوهرها هي وليدة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني قبل 1948 وحتى اليوم.

لقد نجحت إسرائيل في أن تحدد هي جدول أعمال الفلسطينيين والعرب والعالم تجاه القضية الفلسطينية، وأن تبقي جدول الأعمال الفلسطيني والعربي على هامش القضية وليس في جوهرها؛ وينعكس ذلك في أن كل الصخب الكلامي المهزوم بات محصورًا في الضم، وليس في المخطط الأميركي الغيبي، ولا في الاحتلال الاسرائيلي ومشاريعه الاستيطانية الكبرى، ولا بقضايا فلسطين الكبرى مثل العودة والتحرر الوطني وتقرير المصير، بغض النظر عن تفاوت الطروحات حتى ضمن هذا التعريف.

إنّ ما يحفز على الضم هو ثلاثة عوامل رئيسية، وهي الإدارة الأميركية الحالية كفرصة تاريخية كما يرى بها اليمين الحاكم في إسرائيل، وسهولة الاحتلال الناتجة عن بؤس الحالة الفلسطينية والعربية، والعامل الثالث هو القاعدة الموسعة للائتلاف الحكومي وانضمام "كاحول لافان" إليها كحزب "وسط – يمين". فالضم كما إعلان حرب عدوانية، سيكون أسهل ضمن ائتلاف حكومي كهذا مقارنة بحكومة يمينية ضيقة.

في المقابل، فإن موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هو أن الضم ليس في مصلحة اسرائيل، وأن الثمن السياسي والأمني قد يكون كبيرًا ويورط إسرائيل في خسارة ولو جزئية في علاقاتها مع الأنظمة العربية؛ وفي حال جرى توتر أمني في الضفة، فمن شأن ذلك أن يؤدي للتوتر في الجبهة مع غزة، وإلى نقل اهتمام الجيش اليومي إلى هذه المناطق على حساب تطوير جهوزيته على الجبهة الشمالية، حسب أولويات الجيش وتقديراته واستخباراته العسكرية. على الرغم من هذه التقديرات، فإن الجيش الخاضع لقرارات الحكومة، قد بدأ في إعداد وحداته للتحوّل السريع من الرتابة اليومية إلى وضعية الطوارئ.

وإذ تعدّ إسرائيل لإجراء تعداد سكاني في المناطق المرشحة للضم، أي المناطق "جـ"، والبالغ عدد سكانها حوالي 60 ألفا حسب معطيات الاحتلال، فذلك لضمان عدم نزوح عشرات الآلاف من سكان الضفة الغربية إلى هذه المناطق قبيل حدوث الضم، ولذلك فإن مخطط التعداد يتضمن قيام طواقم "الإدارة المدنية" في جيش الاحتلال بدخول البيوت في هذه المناطق وبحماية وحدات الجيش.

كما يحظى الضم بمعارضة أوساط متنفذة في المؤسسة الأمنية الأميركية التي تضع في رأس سلم أولوياتها المصالح الكونية للولايات المتحدة، وهؤلاء يرون به منافيا لمصالح الدولة العظمى، حتى ضمن تفسيرهم وإدراكهم لـ"صفقة القرن" التي يشكل الضم مركّبا واحدًا فيها لا أكثر.

إن مساعي القيادة الفلسطينية وبالذات الدبلوماسية لا يستهان فيها رغم ضعفها، ومحاولات تحميل كل المسؤولية على هذه القيادة فيها من عدم الإنصاف. المسؤولية الفلسطينية في تردي الوضع كبيرة، وللأسف، لا توجد آليات محاسبة واستخلاص نتائج معمول بها. لكن المسألة هنا تخضع للخلل الهائل في توازن القوى، في ظل الإدارة الأميركية الحالية وعدوانيتها المفرطة، وفي ظل انتقال عدد من الأنظمة العربية إلى خانة الاصطفاف الملتقية مع المحور الأميركي – الإسرائيلي، والمتصالحة معه على حساب قضية فلسطين.

في مقاله في "يديعوت أحرونوت" يوم الجمعة الماضي، طرح السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة، صيغة مفادها أن على إسرائيل الاختيار بين اثنين: إما الضم وإما التطبيع. وبهذه الصيغة فإنه يمنح من جهته الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة الاحتلال كما هو، لكن من دون إعلان الضم. كما تمنح صيغته إسرائيل مساحة المناورة لتطبيق ضم جزئي ومعه إعلان نوايا لحدود الضم المستقبلي.

وعمليًا، حسب العتيبة، وفي حال جمدت إسرائيل الضم فإن مساحات التطبيع ستتسع حتى بخلاف ما نصت عليه "مبادرة السلام العربية" عام 2002، وهي وثيقة تأسيسية في سياق التطبيع. وجدير بالإشارة هنا الى أن إسرائيل ليست معنية بالتطبيع بمفهومه الواسع، أي مع الشعوب العربية، بل خلق علاقات قائمة على تبعية أنظمة عربية لها وللولايات المتحدة، وبلورة اصطفافات وتحالفات عسكرية واقتصادية في مواجهة "تهديدات العدو المشترك على المنطقة وعلى السلام العاملي"، أي إيران. وفي الوقت ذاته، فإنها لا تريد التطبيع مع الشعوب العربية لأنها تعرف كنهها ومنسوب العداء لها، كما أنها لا تريد أن تفتح حدودها لملايين طالبي العمل وهجرة الفقر من الدول العربية. وبالإمكان إيجاز فوائد التطبيع بالنسبة لها، بأمن أكبر وباتصالات مباشرة وبأسواق موسعة وقبول متنام.

إن العتيبة وما يمثله في النظام العربي قد اختار "يديعوت أحرونوت" منصة له، وهو عمليًا يجعل الاحتلال منطقيا وشرعيًا من دون ضم أكثر منه مع ضم. ولم يكن هذا المقال ذا شأن لو لم يكن يمثل سياسة دولية بما فيها عربية متعددة الأطراف، تسعى إلى التخلص حتى من تبعات الموقف العربي الرسمي المذكور منذ العام 2002 والذي شرّع موضوعين جوهريين على حساب الحق الفلسطيني، وهما تثبيت مبدأ تبادل الأراضي وكذلك رهن حق عودة اللاجئين بالتوافق (غير الممكن) مع إسرائيل. كل هذا في سياق التمهيد الرسمي للتطبيع مع إسرائيل وفك الارتباط بينه وبين القضية الفلسطينية.

هناك حقيقة ثابتة، وهي أن الاحتلال الذي من المفترض أن يكون مؤقتًا، هو حالة ثابتة إلى أن تتغير موازين القوى، وإلى أن يبلغ درجة يصبح فيها عبئًا على أولويات الدولة المحتلة. ومهما كان، فإن الاحتلال لن يصبح عبئًا على أصحابه من خلال مواقفهم، ولا يسقط من تلقاء نفسه، فكم بالحري حين يكون الحديث عن احتلال هو جزء من استعمار استيطاني إحلالي.

اعتقد أنه آن الأوان أن تخاطب قيادة م.ت.ف الشعوب العربية مباشرة، وتحثها على التحرك وتشكيل قوة ضاغطة على أنظمتها، بالإضافة إلى الشعبين الأردني، وهو الأكثر جهوزية لمثل هذا التحرك وبالتوافق إلى حد كبير مع أولويات المملكة، والشعب المصري المناوئ للتطبيع. ورغم الحرج من تفسير ذلك بأنه تدخلا في الشؤون الداخلية للدول المعنية، لكن الحقيقة هي أن الأنظمة المتصالحة مع إسرائيل والمروجة للمشاريع الإسرائيلية - الأميركية، تتدخّل بشكل فظ في الشأن الفلسطيني الداخلي بعد أن تخلت عن كون فلسطين قضية العرب الأولى. الانتقاص من الحق الفلسطيني هو تدخل. كما قيام الأنظمة العربية وبالذات الخليجية ببناء اصطفافات فلسطينية تعمل في خدمتها مقابل تمويلها ودعمها، فإن هذا يؤشر الى أن التدخل العربي القُطري في الشأن الفلسطيني بات بنيويًا.

بالإضافة إلى ذلك، تستطيع القيادة الفلسطينية التوجه لاستنهاض الحركة العربية لمناهضة التطبيع من البحرين وعُمان مرورًا بالسعودية وحتى المغرب العربي، لتقول كلمتها قبل أن تصادر أنظمتها كلمتها. فالتطبيع ومناهضته بات شأنًا داخليًا في كل بلد عربي وشأنًا قوميًا على السواء، وهي فرصة تاريخية لهذه الحركة المناهضة للتطبيع. وعلى سبيل المثال لا الحصر، منعت السلطات البحرينية قبل عدة أسابيع انعقاد ندوة افتراضية لمناهضة التطبيع في لحظة بثّها، وهذا مؤشر لدور بعض الأنظمة، ولضرورة خلق اصطفافات لحراكات عابرة للدول القُطرية وعلى مستوى العالم العربي.

إن هذا الدور ليس محصورًا بالقيادة الفلسطينية، بل بقدرة كل القوى السياسية والمجتمعية والمؤسسات الثقافية والنخب أن تقوم بهذا الفعل تجاه محيطنا العربي، وتجاه حركات التضامن في أنحاء العالم.

وإذ إن متطلبات ما يسمى ترتيب البيت الفلسطيني غير متوفرة حاليًا، لكن الحاجة قائمة لاتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، وأولها إتاحة المجال للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده لكي يقول كلمته، وبالذات في الضفة وغزة، ورفع التقييدات والتحرر من سياسة قمع الحريات وحصرها في مقاسات هذا الفصيل أو ذاك.

حين تكون البدائل المتاحة هي إحراز نقاط قليلة في معارك صغيرة قياسًا بالمعركة الكبرى، فلا بأس بذلك، إذ إن مراكمة هذه النقاط يؤسس لاستعادة عزيمة الشعب.

إفشال الضم أو عدم إقدام إسرائيل ومن منطلقاتها على تنفيذه هو مسألة ذات شأن ووزن، لكننا في صباح اليوم التالي سنجد الاحتلال قد ظل جاثم كما الاستيطان، وأن بنية الضم تتعزز.

المعركة مفتوحة وطويلة ولن يحسمها مشروع الضم، لكن أحد التحديات هو تحويل الحراك الشعبي والرسمي الفلسطيني والعربي ضد الضم إلى حراك متواصل حتى إسقاط الاحتلال وإحقاق الحق الفلسطيني.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ