ملاحظات سريعة حول الأخلاق في ظل كورونا والاستعمار

ملاحظات سريعة حول الأخلاق في ظل كورونا والاستعمار

يتبيّن هذه الأيام أن من توقع منّا بأن جائحة كورونا ستغير سلوك الناس في مجتمعنا الفلسطيني، وفي الداخل بصورة خاصة، كان مخطأ. إذ تكتشف، مع كل يوم يمر، أن الموبقات الاجتماعية والأخلاقية تعود ببشاعتها وقبحها وبصورة أشد. وإذا كان الإجرام ضد النساء والعنف الداخلي ككل، قد اعتدنا، للأسف، على مرارته ووطأته قبل ظروف كورونا، فإننا الآن نعيش حالة ذهول شديد إزاء عودة هذه المظاهر الاجتماعية بكل أبعادها الكارثية، والتي باتت جذورها معروفة ومُشخصة، وكذلك العجز عن مواجهتها وكبح جماحها.

ليس هذا ما أريد الإشارة إليه فقط، بل ظاهرة الاستهتار والغيبيات المنتشرة بصورة واسعة إزاء التعامل مع جائحة كورونا، مع بدء موجتها الثانية المتوقعة والتي حذر منها الخبراء. أمّا الأخطر، فاستمرار اضمحلال المنظومة الاجتماعية التي ضبطت سلوكنا إلى حد ما في الماضي. وفي سياق الظرف الصحي الراهن، غاب عن الكثيرين ما ينتج عن ذلك من فقر وعوز وتوتر وعنف، خصوصًا وأننا في أسفل سلم أولويات المستعمر الذي يتطلع إلى اختفائنا.

فبعد الإعلان عن انحسار الموجة الأولى من فيروس كورونا، استأنفنا واجباتنا الاجتماعية، كتقديم التعازي والمشاركة في الأعراس أو الدخول إلى سوبر ماركت وغيرها. وتُفاجأ في جميع هذه المناسبات، بسماع أُناس لا ينقصهم علم ولا عقل ولا إيمان (كما يقولون) يكرّرون خرافات مثل أن فيروس كورونا بدعة، مبررين عدم ارتداء الكِمامة أو تجنب التجمعات الكبيرة. بل يسهبون في شرح نظرية المؤامرة. وتظهر أنت وقلة من الحضور المتقيدين بالإجراءات الوقائية كمجموعة شاذة أو مرعوبة أكثر من اللازم. والحقيقة أن الكثيرين يضطرون للتقيد بالإجراءات خوفًا من الغرامات المالية، وليس بدافع قناعات داخلية. ويُذكّرني هذا الاستهتار حين كنت أعمل عاملَ بناء في العطل المدرسية، إذ كان العمال العرب ينزعون الخوذات الواقية عن رؤوسهم أو يفكّون الحبل الذي يجب ربطه بأجسادهم حماية لهم من السقوط عندما يغادر مراقب العمل من المكان، ويقومون بالتقيد بهذه الإجراءات عندما يسمعون صوته قادمًا. والحقيقة هي أن أحد أهم أسباب موت أو إصابة عدد كبير من العمال العرب، حتى اليوم، هو هذا الاستهتار بإجراءات الوقاية.

لقد بات مؤكدًا، أن ما سيكون بعد كورونا ليس ما قبلها. ولا أحد يستطيع الجزم بهوية المخلوق (الاقتصادي، الاجتماعي، والأخلاقي) القادم على مستوى العالم، وكم ستمتدّ المعاناة الجديدة التي تتراكم على جبال المعاناة القديمة التي يكتوي بها مئات الملايين من البشر.

ونحن جزء من العالم ونقع تحت تأثيرات هذه السياسات الظالمة وغير العادلة، إلا أننا كشعب ومجتمع نرزح تحت مستعمر متوحش، جُرّدنا من معظم مقومات الاستقلال والاعتماد على الذات، وعلينا أن نواجه كل ذلك بمسؤولية غير عادية، ليس الجماعية فقط، إنّما الفردية والأسرية.

وإذا كانت دولة الاستعمار هي التي تسيطر على البلاد ومقدّراتها، والتي هي ملزمة بتقديم الخدمات، فإننا كجماعة قومية ومؤسساتها التمثيلية والمهنية وأفرادها، تقع علينا مسؤولية السعي لاستعادة التوازن الأخلاقي للمجتمع، والإبداع والتفكير بوسائل وآليات أكثر نجاعة من تلك المعتمدة حاليًا في تحقيق الهدف. لا يجوز أن يستنزفنا العنف المدمر أو حروب كلامية على قضايا يمكن مناقشتها بهدوء وبحجمها الحقيقي أو في تبديد طاقاتنا في الحروب على المثليين والمختلفين أو غيرها من القضايا، وإظهار تلك الفئة من المجتمع وكأنها مصدر الشرور الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية التي يكابدها المجتمع.

ربّما نحتاج بين الحين والآخر إلى إعادة تعريف الأخلاق والتوازن المطلوب لأي مجتمع حتى يتمكن من التطور بشكل طبيعي. ومن دون الخوض في المفهوم الفلسفي للأخلاق، فإن الأخلاق، بالمفهوم العام، هي التمسك بالعدالة والمساواة والحرية، وعدم الاعتداء على حقوق الناس وأرواحهم، واحترام الرأي الآخر وروح التعاون والتكافل المجتمعي. ويمكن الاستفاضة في شرح غيرها من القيم السامية التي حملتها الديانات السماوية والأنبياء والرُسل إلينا نحن البشر. وغالبية البشر - حتى أولئك غير المتدينين بل والملحدين (دولا وأفرادا وجماعات) - يمارسون هذه القيم القادمة من الديانات أو يمارسون جزءًا منها.

إن مظاهر الانهيارات الأخلاقية التي تغزو مجتمعا معيّنًا لا تعود إلى كون الإنسان شرّيرًا وفاسدًا بطبعه، بل تعود إلى خلفيات اقتصادية وسياسيّة تتعلق بغياب العدالة الاقتصادية والسياسية، تمارسها أنظمة أو طبقات اجتماعية ظالمة؛ أي أن أنظمة الاستبداد الداخلية وأنظمة الاستعمار الغازية وممارستها تخلق الأرضية للفساد والانهيار الأخلاقي، ولكن هذه الأنظمة تخلق نقيضها أيضًا، حين تصل حالة الانسداد إلى مستوى لا يحتمله الناس، فينفجرون ضدها من خلال الثورات، ومن خلال العمل على تأسيس مرجعية وطنية تكون مرجعية أخلاقية جامعه لعموم المقهورين، الذين يتعودون على الالتزام بها طواعيةً طالما تستجيب لرغباتهم المعنوية والروحية، وتؤمن لهم بعض الحماية المادية.

إنّ شعبنا الفلسطيني نجح، بعد استيعاب صدمة النكبة، في بناء مرجعيته الوطنية الجامعة، وتعزيز روحه الجماعية التضحوية التي مثلتها منظمة التحرير الفلسطينية. ونجح الفلسطينيون داخل الأرض المستعمرة منذ عام 1948 في بناء مرجعيات وطنية، مثل الأحزاب والحركات الملتزمة بالقضية الوطنية، وتطورت لاحقًا إلى مرجعية مشتركة هي لجنة المتابعة العليا، لكن العجز عن تطوير هذه المرجعيات وتآكل بناها واضمحلال مكانتها ومصداقيتها، ومصداقية المتنفذين فيها، ومع اشتداد هجوم المستعمر وتوحشه، كل ذلك أضعف المجتمع وخلخل قناعاته وعزز الفردانية، وبات قابلا لتلقي ممارسات وأفكار سياسية أو غير سياسية من قيادته، التي كانت في السابق، غريبة عنه ومرفوضة عنده.

وفي غياب المرجعية والمصداقية تظهر جهود أفراد أو أطر مستقلة متمسكّين بمنظومة أخلاقية في محاولة مضنية وصعبة للحفاظ على القيم الأساسية، ولو في مساحات صغيرة، ريثما يتم إنضاجها وتغلغلها في الدائرة الأوسع. وهؤلاء كثر وليسوا أقلية صغيرة، إنما المشكلة أن الناشطين منهم أقلية. وهذا هو الوقت الذي نحتاج فيه لكل الطاقات للتفكير والمبادرة مجددًا ولمحاولة لتنظيم المجتمع مجدّدًا عبر أطر أهلية واجتماعية ووطنية ناجعة ومؤثرة، على مستوى القرية والمدينة والحي والمدرسة.

في ظل ذلك، يصبح مهمًا تذكّر أهم القيم الأخلاقية كالتضامن الاجتماعي، الذي هو نقيض الأنانية والانعزال والدفاع عن المظلومين من الظلم الداخلي والخارجي. إن الظلم الداخلي الذي نمارسه ضد أنفسنا، مثل قتل المرأة والتحريض الدموي على المختلفين، والتحريض العائلي والطائفي، وجرائم العنف بصورة عامة، والتزييف والنفاق، وتأييد الظلم والاستبداد، والاستهتار بخطورة الوباء، هو وجه آخر للاستعمار الذي نرزح تحت نيره.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ