"لم أعد أؤمن بالدولة اليهودية"

"لم أعد أؤمن بالدولة اليهودية"

لم تهدأ العاصفة بعد، التي أثارها مقال محرر موقع "جويش كارنتز" (jewish currents - التيارات اليهودية)، بيتر بينارت، المنشور في صحيفة "نيويورك تايمز"، في الثامن من الشهر الجاري، في أوساط التيار الصهيوني الليبرالي في الولايات المتحدة وخارجها؛ وكذلك مقاله المطول الذي نشره في الموقع الذي يحرره. لقد نعتته الأصوات الصهيونية، سواء كتاب أو سفراء إسرائيليين سابقين في الولايات المتحدة، بشتى الأوصاف مثل خائن ويهودي يكره ذاته وكارثة، وأقلها مثل حالم ساذج وطوباوي. وهذا سلوك معتاد داخل القبيلة اليهودية الصهيونية. وتعيد هذه الحملة إلى الأذهان تلك الحملة التي شُنت على المؤرخ اليهودي الأميركي، توني جات، الذي نشر عام 2003 مقالا في مجلة "نيويورك ريفيو أُف بوكس"، وصف فيه إسرائيل بأنها دولة تقادم عليها الزمن، أي لا حاجة لها، ودعا إلى دولة مساواة واحدة للجميع، بديلا عن حل الدولتين الذي كان من مؤيديه.

من هو بيتر بينارت؟ ولماذا جلب كل هذا الغضب وهذه النعوت، خاصة عند الصهاينة من كافة تياراتها؟

يوصف بينارت بأنه "بابا الصهيونية الليبرالية" ومن أعمدتها في أوساط الجالية اليهودية الأميركية، وأحد أبرز المثقفين اليهود الأميركيين، والذي كرّس جل حياته للدفاع عن حل الدولتين، وعن حق إسرائيل بالوجود كدولة يهودية. وصنفته مجلة فورين بوليسي" عام 2012، ضمن مئة شخصية عالمية الأكثر تأثيرًا. في السنوات القليلة الماضية بدأ يمر بتغييرات في توجهاته للحل، وبات أكثر نقدًا للممارسات إسرائيل الوحشية في الضفة والقطاع. كما كتب عن فلسطينيي 48 وعن الاضطهاد الذي يتعرضون له. في عام 2018، اعتقلته إسرائيل في مطار اللد ومنعته من الدخول إليها، على خلفية مواقفه السياسية.

لم يعد بينارت يؤمن بحل الدولتين، وبات يدعو لدولة واحدة للفلسطينيين واليهود كبديل عن الفصل والتقسيم. كتب في مقاله المعنون "لم أعد أؤمن بالدولة اليهودية": "إن الطريق المؤلمة التي سار فيها المشروع الذي نذرنا أنا والكثيرين مثلي من الليبراليين الصهاينة أنفسنا له طيلة عقود، أي دولة للفلسطينيين منفصلة عن دولة لليهود، قد فشل. وقد حان الوقت للتيار الليبرالي الصهيوني للتخلي عن الفصل بين اليهود والفلسطينيين، وتبني المساواة بينهم".
ويبدو أن قرار إسرائيل وراعيها، الإدارة الأميركية، بضم الضفة الغربية قد أهال التراب على أوهام بينارت وغيره من الليبراليين الصهاينة، وهو قرار أشبه بضربة مطرقة لهذه الأوهام كما قال أحد المعلقين

في المقابل، أبدى أكاديميون فلسطينيون مرموقون درسوا ونشطوا في الغرب تحفظًا من كون ما وصل إليه بينارت، قد رددوه هم دائمًا، ونشروا مقالات وكتبًا وتحدثوا في مؤتمرات دولية، ولكن لم يحظوا إلا بالقليل من الاهتمام، ويعزون ذلك التجاهل إلى العقلية الكولونيالية السائدة التي تستمع للإنسان الأبيض دون صوت الضحية. وتحفظٌ آخر هو أن بينارت لم يتنازل عن صهيونيته، بل يدعو في المقالين إلى إعادة فهم هدف الصهيونية الليبرالية الأصلي، إي إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين كمركز ثقافي روحي والتخلي عن المشروع السياسي أي الدولة اليهودية. ويلتقي مع هذه التحفظات أيضًا أكاديميون ومثقفون يهود مناهضون للصهيونية، الذين كانوا اكتشفوا زيف الرواية الصهيونية ونبشوا تاريخ الحركة الصهيونية الدموي وفندوا أساطيرها، ويرون أن بينارت لم يصل بعد إلى فهم الصراع باعتباره صراعا كولونياليًا وليس بين طرفين متساويين يتنازعان على أرض مشتركة، وأنه بدأ قبل عام 1948، وليس عام 1967.

لكن لو نظرنا إلى السياق الذي نشأ فيه بينارت وأمثاله، وهو السياق الذي يستعرضه بالتفصيل في مقاله المطول المنشور في موقع "جويش كارنتز"، أي عملية غسيل الدماغ والتضليل والتنشئة الصهيونية التي تعرض لها، وإلى الظروف والدوافع الحقيقية التي أوصلته إلى هذه النتيجة، نستطيع تقييم الأمر بصورة مختلفة. في نظري، دافعان أساسيان خلف ذلك بالإضافة إلى حرصه الأيديولوجي على الوجود اليهودي في فلسطين، وهما :

الدافع الأول هو النضال والرفض الفلسطيني للاستسلام، وبالارتباط مع ذلك الوحشية الإسرائيلية المعتمدة ضد سكان الأرض الأصليين، والذي يُحرج الليبراليين الصهاينة ويُصعّب عليهم مهمة الدفاع عن دولة غير ديمقراطية ومتوحشة؛

الدافع الثاني هو النضال الثقافي الذي يخوضه أكاديميون فلسطينيون بارزون منذ عشرات السنين في الغرب، والولايات المتحدة وبريطانيا خصوصًا، ضد الرواية الصهيونية، ابتداء من هشام شرابي وإدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد ووليد الخالدي وغيرهم الكثيرين، وصولا إلى الجيل الجديد من الأكاديميين الفلسطينيين المبدعين والناشطين. وليس دقيقًا القول إن وصول بينارت وأمثاله جاء مقطوعًا عن تلك المساهمات الفكرية والثقافية التقدمية والعلمية، التي كانت تتراكم كمًا ويتصاعد تفاعلاتها وتأثيرها. وهناك من المتابعين لما يجري داخل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، الذين يتوقعون أن يحذو آخرون حذو بينارت، مع استمرار الانزياح نحو اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل.

ويشكل تساقط أوهام ما يسمى بالليبرالية الصهيونية، رغم التحفظات على مدى اتساق الليبرالية أو الديمقراطية أو الاشتراكية مع أي تيار صهيوني، فائدة للنضال الفلسطيني خصوصًا في مواجهة الدعاية الصهيونية والغربية المنحازة. ذلك أن هذا التيار الذي حاول تقديم صورة متنورة عن الصهيونية، والدفاع عن "يهودية وديمقراطية" إسرائيل هو الذي كرس هذا الوهم في الدوائر الغربية الرسمية والشعبية لفترة طويلة، دون التجرؤ على نقدها.

وحري بنا أن نتذكر، نحن الفلسطينيين في الداخل، أن الأوساط المحسوبة على هذا التيار الصهيوني وقسم منه يرفع شعار الدولتين لفظيا فقط، كانت أشد شراسة من معسكر اليمين في الهجوم على حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي أسسناه مباشرة بعد اتفاق أوسلو، لكونه طرح التناقض بين الجوهر اليهودي لإسرائيل والديمقراطية في إطار دعوته لدولة كل مواطنيها والمساواة التامة، الفردية والجماعية القومية. وقد نال قائد الحزب حينها ورأس حربته في المواجهة الفكرية الأيديولوجية، عزمي بشارة، ما ناله من تحريض دموي وملاحقات سياسية ومحاكمات متتالية على خلفية هذه المواقف، وصولاً إلى فبركة ملف أمني عام 2007، وانتهاء بالمنفى القسري. كان يرى رموز هذا التيار أن عزمي بشارة ينزع عنه الغطاء وهذا الزيف، فتظهر حقيقته المتمثلة بأولوية اليهودية أو القومية على الديمقراطية، وبالتالي تظهر حقيقة دولة إسرائيل كونها نظام أبارتهايد وكولونيالي.

أما وقد جرد اليمين واليمين الصهيوني، اليوم، دولته من هذا الغطاء ولم يعد يكترث للتناقض، بل يجاهر ويمارس عبر الدولة ممارسات فصل عنصري واستعمارية علنية، فإن أوساطًا من التيار الصهيوني الليبرالي تشعر بالخطر الوجودي وتنقسم ردود أفعالها بين التكيف ومجاراة اليمين في تطرفها، وبين إعادة النظر في مواقفها نحو ما اكتشفه يهود مناهضون للصهيونية مبكرًا. وتكشف الخريطة الحزبية الإسرائيلية الحالية عن غلبة للأوساط التي تتكيف مع الخريطة اليمينية داخل إسرائيل. أما في الولايات المتحدة، فيبدو أن هذا التيار النقدي لممارسات إسرائيل، خصوصًا بين الجيل اليهودي الجديد، أكثر اتساعا وهو ما يقلق نظام الأبرتهايد الاستعماري بصورة كبيرة.

كل ذلك يعيد التأكيد على الحقيقة الثابتة أن نظاما بنيته عنصرية وكولونيالية يستعصي تغييره من الداخل، ما يترتب على ذلك إستراتيجية مختلفة في المواجهة.