اتفاق التطبيع الإماراتي وتعزيز فلسفة القوة الإسرائيلية

اتفاق التطبيع الإماراتي وتعزيز فلسفة القوة الإسرائيلية

بتوقيعها اتفاق "السلام" مع الإمارات، تقف إسرائيل قاب قوسين أو أدنى من تحقيق رؤيتها الأمنية التي تقوم على نظرية "الجدار الحديدي" التي صاغها جابوتنسكي وتبناها بن غوريون، والتي تقول إن العرب هم "أمة حية" لن يتخلوا أو يتنازلوا عن حقوقهم الأساسية، وأننا فقط إذا ما أقمنا "جدارًا حديديًا" على شكل قوة عسكرية كبيرة وقوة عظمى راعية، حامية ومساندة، فربما يرضخ هؤلاء العرب ويتنازلون عندئذ عن "أرض إسرائيل".

لقد عدّل نتنياهو ما اعتبره انحرافًا عن هذه النظرية في ما مثلته مسيرة مؤتمر مدريد التي اعتمدت على مفهوم "الأرض مقابل السلام"، وأعاد صياغتها من جديد عبر شعار "السلام مقابل السلام"، الذي ينطلق من أن قوة إسرائيل وسطوتها في المنطقة هي القادرة على فرض السلام أو "الاستسلام" على الدول العربية، ودفعها للتسليم بالأمر الواقع والتعامل معه لمصالحها، كما يجري مع الإمارات وبعض الدول الخليجية والعربية الأخرى، التي تقيم علاقات سرية وعلنية مع إسرائيل، دون أن تشرط ذلك بتنازلها عن أي شبر من الأرض الفلسطينية والعربية التي تحتلها.

في السياق ذاته، أشار الجنرال احتياط عاموس غلعاد إلى الاستقرار الأمني الإسرائيلي غير المسبوق، والذي يستند إلى قوة الجيش الإسرائيلي وصورة القوة الأمنية العامة في إنجاز الاتفاق مع الإمارات والعلاقات مع سائر الدول العربية، قائلا إن الدول العربية بعد أن جربت وفشلت في إبادة إسرائيل، توصلت إلى الاستنتاج بأنه لا توجد إمكانية كهذه، ومن الأفضل التعاون معها في جملة من المجالات، وعلى رأسها الأمني والعسكري والسياسي.

وأضاف غلعاد في مقال نشرته "هآرتس" أن "في محادثات لي مع نظرائي العرب، الذين احترمهم جدًا، سُئلت غير مرة: لماذا تعارض إسرائيل تعادل القوة بينها وبين الدول العربية؟ ولماذا تحرص على التفوق النوعي؟ وكان الجواب دومًا أنه كلما حافظنا على تفوقنا النوعي، يتعمق الاستقرار وحصانة السلام بيننا".

من هنا لا يبدو أي وجه للغرابة في رفض إسرائيل الموافقة على صفقة بيع طائرات إف 35 الأميركية للإمارات، حتى مقابل اتفاقية السلام والتطبيع معها، لأن هذه المنظومات القتالية الذكية ومتعددة الأبعاد تمنح إسرائيل تفوقًا ساحقًا، لن تتنازل الأخيرة عنه وتلتزم به الولايات المتحدة، ويندرج هذا الالتزام عميقًا في القانون الأميركي، حسب وصف غلعاد، الذي يحذر من إغفال إسرائيل في أي لحظة لتفوقها العسكري سيجلب عليها الويلات، لأن هذا هو الحال في الشرق الأوسط، كما يقول.

وينسجم هذا التوجه مع مفهوم نتنياهو لإسرائيل كـ"فيلا في غابة"، والذي ينطلق من عمق رؤية جابوتنسكي الأمنية التي ذوتها منذ نعومة أظفاره، حيث يعتبر والده بن تسيون نتنياهو من أكثر المقربين لجابوتنسكي، وعمل مساعدًا له لفترة طويلة.

يقول نتنياهو في كتابه "مكان تحت الشمس" إن سيطرة إسرائيل على هذه المناطق (التي احتلتها عام 1967) كانت عائقًا أمام الحرب الشاملة، لذا على إسرائيل الإبقاء على سيطرتها عليها، والمحافظة على قوة ردع ساحقة من أجل زيادة فرص السلام، وأن إسرائيل تبقى قوية ومرهوبة الجانب إذا قامت بجلب يهود العالم إلى "أرض إسرائيل"، وأنها يمكن أن تحقق الازدهار والاستقرار والسلام مع العرب من دون تقديم أي تنازلات، أي السلام المبني على خوف العرب من قوة إسرائيل الضاربة.

ويضيف نتنياهو في كتابه أنه في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيق الأمن لإسرائيل إلا عبر قوة الردع المعتمدة على قوة الحسم؛ "فلا بديل لإسرائيل إلا سلام مسلح وحذر بحيث يوفر القوة الكافية لها لردع العرب، ولا شك في أن الذي أجبر الدول العربية التي وقعت اتفاقيات مع إسرائيل هو القوة وليس الرغبة بالسلام من قبلهم"، أي مصر والأردن، ويسعى إلى جلب باقي الدول العربية إلى هذه الحظيرة بمزيد من القوة، ويحاول أن يثبته من خلال الاتفاق مع الإمارات.