ماذا تبقى من إرثها؟

ماذا تبقى من إرثها؟

تردد في الدخول إلى الوطن، ولم يستسغ هذه الخطوة أصلًا، مع أن فصيله اتخذ قرارًا واضحًا بالعودة. هو كغيره من جموع الثوار والقادة حلم بالعودة إلى وطن محرر، فقط بعد هزيمة المستعمِر؛ ثم خضع لقرار الفصيل، ووصل إلى الوطن. وكان قبله وصل العديد من قادة الفصيل وكوادره. كنت شخصيًا متعاطفًا مع هذا التردد، إذ كنت اعتقد أن قياديًا بهذا الوزن وبهذه السمعة المتميزة، من حيث الصلابة والنظافة، لا تتسق عودته وفق اتفاق استسلامي (أوسلو) عقدته قيادة فصيل آخر من خلف ظهر جميع الفصائل وعموم الشعب الفلسطيني، ومؤسساته الدستورية والشعبية. وهو اتفاق لم يمر سنوات قليلة عليه حتى تأكدت كارثيته على الشعب الفلسطيني.

بعد وصوله عام 1999، ذهبنا وفد كبير من حزب التجمع الوطني الديمقراطي لتهنئته بالعودة إلى الوطن، في مسقط رأسه في قرية عرابة - جنين. فضّل رئيس الحزب آنذاك، عزمي بشارة، أن تكون لي، كسكرتير عام للحزب، كلمة الترحيب به وعن أهمية عودة هذا القائد، وأن يتحدث هو بعدي، ربما لمعرفته بعلاقتي التاريخية بفكر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعلاقة الصداقة التي كانت تربطني مع نشطاء الجبهة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أثناء عملي الصحافي هناك على طول فترة الثمانينيات. إنه الشهيد أبو علي مصطفى، الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

قبل أيام صادفت ذكرى اغتياله بصاروخ من طائرة صهيونية، في مكتبه في رام الله، في أوج الانتفاضة الثانية، وكان أول قائد كبير تستهدفه إسرائيل في تلك الانتفاضة الفلسطينية، قبل أن تتلاحق عمليات الاغتيال لقادة من حركات أخرى مثل فتح وحماس وغيرها. كان ذلك في 27 آب/ أغسطس 2001.

قبل اغتيال هذا القائد بثلاثة أيام فقط، وضمن علاقاتنا مع قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية، التي باتت متاحة أكثر بعد اتفاقية أوسلو، قمت والدكتور محمود محارب، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع حينها، بزيارة له في مكتبه في الطابق الأخير، الثالث من العمارة، مستغلين فترة هدوء نسبي في جبهة القتال، وتداولنا بما يجري ومآلات الانتفاضة. كانت تلك المرة الرابعة التي التقي به، وكل مرة كنت أتفاجأ بشخصيته، وخاصة تواضعه وقدرته على الإصغاء، وليس فقط الحديث، وهي صفة قلما يتمتع بها قادة آخرون. ولذلك نزل خبر اغتياله كالصاعقة علينا، والحقيقة، أني انفجرت بالبكاء أمام أبنائي، وأنا أشاهد الخبر في التلفزيون، وكان ذلك أيضًا تفجرًا لحزن وغضب تراكما داخلي على مدار أشهر من القتل الوحشي الذي أعمله المحتل بأبناء شعبنا في محاولة لوأد الانتفاضة، التي انفجرت في عموم فلسطين التاريخية، طلبًا للحياة والحرية والتحرر. ربما، بعد استشهاد أبو علي مصطفى، ورحيل الحكيم، وباستثناء المناضل أحمد سعدات القابع في باستيلات الصهيونية، بالكاد نستطيع أن نعثر على شخصيات وطنية بارزة تحمل صفات التواضع والنظافة وقيم النضال الأصيلة، التي تؤثر مصلحة الوطن والإنسان على كل ما عداهما. هناك بطبيعة الحال قادة وعدد كبير من الكوادر، مثل القيادية خالدة جرار، الذين يتعرضون للأسر المتواصل وللقمع الذي لا يتوقف، في إطار مخطط المستعمر الهادف إلى إسكات النضال.

ماذا تبقى من إرث الشعبية

لم يكن الشهيد أبو علي مصطفى، وهو الشخصية الثانية في الجبهة الشعبية، مُنظرًا ولا بوزن الحكيم - جورج حبش، ضمير الثورة كما كان يقول عنه ياسر عرفات؛ ولكنه كان يُنظر إليه كقائد جدير يستطع قيادة الجبهة وتوحيدها والارتقاء بها داخل الأرض المحتلة، واستعادة دورها التاريخي ومكانتها كتيار يساري يحتاج إلى مراجعة حقيقية، واستيعاب التطورات العالمية والعربية والإقليمية والفكرية، وهذا ما يعتقده البعض بأنه السبب الذي قاد المستعمر إلى قتله.

ومنذ ذلك الاغتيال، تعمقت أزمة الجبهة الشعبية أسوة بفصائل الحركة الوطنية الفلسطينية واليسار العربي عمومًا، والذي يعيش أزمة فكرية وتنظيمية وأخلاقية، لا يظهر في الأفق حل لها. وقد باتت الجبهة بلا تأثير في منظمة التحرير الفلسطينية، التي يتحكم بها فريق أوسلو. كما وكشفت الثورات العربية عن أزمتها الأخلاقية، أسوة بأوساط واسعة من اليسار، إذ صنفت الثورات في بعض الدول العربية وفقًا لقاموس أنظمة الطغيان، أنظمة القتل والقمع والملاحقة للشعب وقواه المعارضة، والتي فشلت في المهمتين المترابطتين؛ بناء الدولة العربية القوية والرحيمة، وتحرير فلسطين.

ويمكن تحديد ثلاث من القضايا التي من المفترض أن تميز اليسار، فشلت فيها الشعبية:

الأولى؛ لم تنجز الشعبية تطويرًا لمفهوم اليسار في ظل التحولات الكونية، وبما ينسجم مع قيم اليسار الأصلية، قبل أن تشوهها التجربة السوفييتية الستالينية، وهي الديمقراطية والمساواة والحرية والعدالة؛ أي تحرر المجتمع من الاستبداد ومن العوز والفاقة، عبر إعادة توزيع الثروة بصورة عادلة من جهة، وتحقيق حرية المواطن وحقه في التعبير عن رأيه، وتشكيل الأحزاب والتظاهر دون أن يلاحق ويُسجن ويُقتل، من جهة أخرى. إن دافع مجابهة الإمبريالية هو رفض السيطرة الخارجية والتوق للتحرر والحرية، ولا يجوز أخلاقيًا ولا سياسيًا قبول استعمار الأنظمة لشعوبها بحجة مجابهة الاستعمار الخارجي.

الثانية؛ العجز عن تطوير رؤيتها القومية العربية وتصورها للوحدة، إذ كانت انتقلت من كونها حركة قومية إلى تبني الماركسية من دون أن تبدع في مجال الجمع بين أفكار اليسار والوحدة القومية وواقع المجتمع العربي، وتراثه الحضاري العربي الإسلامي – المسيحي. وهي مهمة أخفق فيها اليسار العربي عمومًا. وباتت الشعبية فصيلا وطنيا إقليميًا مثل بقية الفصائل، دون رؤية تحررية عربية شاملة، تُعتمد على الأقل مادة تثقيفية رسمية، داخلية، واختزلت هذه المهمة الفكرية والأخلاقية تجاه الأمة العربية، في العلاقة مع النظام السوري الدموي.

الثالثة؛ التخلي عن حل الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين، والتكيف مع توجهات الأقلية المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، التي باتت معتقلة تحت الاحتلال منذ توقيع اتفاقية أوسلو، بدل أن تكون، أي الجبهة، رائدة في إعادة إحياء هذا الحل - الدولة الديمقراطية - انسجامًا مع نص وروح برنامجها السياسي الأصلي، باعتبار هذا الحل برنامجًا مضادًا للتجزئة والضياع، بالإضافة لكونه شعارًا مجندًا لكل تجمعات الشعب الفلسطيني، الذي يبحث عن رؤية واضحة وخطاب أمل. لقد تجلى بؤس الحالة التي تعيشها الجبهة الشعبية في البيان الذي أصدرته العام الماضي بحق أمينها العام، أسير الحرية أحمد سعدات، الذي انتقدت فيه توقيعه على بيان من سجنه يدعو إلى العودة إلى الدولة الديمقراطية الواحدة.

تلك هي جملة من القضايا والمهمات المهمة التي تحتاج إلى التصدي لها، ليس من الجبهة الشعبية فحسب، بل أيضًا من جميع مركبات الحركة الوطنية الفلسطينية والأحزاب والحركات داخل الخط الأخضر، ومن النخب غير المرتبطة تنظيميًا، خصوصًا في ظل طوفان المصائب التي يواجهها شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية.