الغائب في لقاء الفصائل

الغائب في لقاء الفصائل

التقى الأمناء العامّون للفصائل الفلسطينية أول من أمس، الخميس، في مدينتي رام الله وبيروت، في أول اجتماع مشترك منذ فترة طويلة، بدعوة من رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بهدف توحيد عمل الفصائل ضد صفقة القرن الأميركية والتطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل.

وقيل في الخطابات التي استمعنا إليها أنّ جهودًا جدية تجري لإنهاء الانقسام، وأن لجانًا ستشكل لخوض مقاومة شعبية شاملة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد أوحت الصورة، أو الشكل، لهذا اللقاء، للوهلة الأولى، وكأنه تجسيدٌ فعلي لرغبة جادة لوحدة وطنية تحمل إمكانيات النجاح وتعبيرًا عن شعور عميق بالخطر وبالمسؤولية. وربما زاد هذا الانطباع اللغة والمفردات الحادة، شكلًا، التي استعملها رئيس السلطة الفلسطينية ضد التطبيع الإماراتي الإسرائيلي وضد الرئيس الأميركي وإدارته.

ليست الحاجة إلى وحدة وطنية سياسية وإلى مقاومة المخطط الأميركي الصهيوني مسألة وجودية بالنسبة لقضية فلسطين فحسب، بل إن عدم إنجاز ذلك حتى اللحظة هو عار وطني وأخلاقي وكارثة سياسية وترك الشعب الفلسطيني في غياب هذه الوحدة تحت رحمة المشروع الاستيطاني الإجرامي والدموي. وربما بسبب الإفشال الذاتي المتكرر لاتفاقات الوحدة العديدة والآمال التي تحطمت، لا نلحظ تلهّفا شعبيا إزاء لقاء الفصائل أو أنّ الناس يترقّبون ما إذا كان هذا اللقاء سيكون مختلفا.

طبعا هناك ظروف موضوعية لتنظيم هذا الاجتماع، فضلا عن الأسباب المعروفة والمتمثّلة في فشل نهج المفاوضات في تحصيل أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني وفشل المقاومة في فك الحصار عن غزة رغم التضحيات الكبيرة والصمود الأسطوري. والأسباب الجديدة، وليست جديدة تمامًا، تتمثل في الخطة الأميركية الصهيونية في ضم الضفة الغربية رسميا، لتصبح كل فلسطين التاريخية إسرائيل الكبرى يحكمها نظام استعماري وفصل عنصري دموي، وفي إسقاط أنظمة عربية، هي أصلًا ساقطة، في مستنقع التطبيع والتحالف المعادي. أمّا العنصر الآخر في الخطة، فهو تحضير محمد دحلان لتنصيبه رئيسًا مكان محمود عباس، وربما هذه الصفاقة الأميركية الإسرائيلية المصرية الإمارتية، هي من الأسباب التي تدفع أبو مازن إلى اعتماد لغة حادّة، على غير عادته، ضد التطبيع الإماراتي. وهدف الخطة الإمبريالية النهائي هو دفن قضية فلسطين إلى الأبد.

وبما أنّ تحويل الوحدة الوطنية الحقيقيّة إلى فعل مادي على الأرض يحتاج إلى مقوّمات أساسية وركائز إستراتيجية وحتى يأخذها الناس بجدية ويصدّقون الأقوال، فهناك ملاحظات هامة لا بد من تسجيلها بعد المشاهدة والاستماع للخطابات:

الأولى: غياب النقد والمراجعة لمسيرة فشل نهج المفاوضات العبثية التي شكلت تغطية لتمدد المشروع الكولونيالي وغياب الاعتذار من الشعب ومصارحته بالمسؤولية عن استمرار الانقسام والخراب الوطني الذي أنتجه. قد يقول قائل إنّ مجرد اللقاء هو تعبير عن الاعتراف بالمسؤولية، وهذا ليس صحيحًا وليس كافيا، وهو تكريس للتقليد البائس الذي ميّز تاريخ قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية، وكذلك النظام العربي الرسمي، الذي بدل أن يعترف بقصوره الفاضح وجرائمه ضد شعوبه، يُعمل القتل والذبح. فكيف تواصل نفس القيادة التي قادت مسيرة الفشل دون نقد ذاتي وصدق مع الناس؟ إن غياب التوجه إلى الشعب هو من ميزات العقلية الاستعلائية والاستبدادية.

الثانية: غياب الشعب والشباب عن هذا اللقاء. إن "القادة" أو الأمناء العامين الذين قدموا خطاباتهم، تتراوح أعمارهم بين ستين وخمسة ثمانين عاما، بل غالبيتهم فوق الخامسة والستين، وقسم كبير منهم لم يتغير موقعه منذ عشرات السنين، وفاقدون للحيوية الفكرية والعملية. هل يعقل أنّ قياديًا شابًا واحدًا لم يظهر؟ وهل يظن هؤلاء أن شعبنا، الأكثر فتوة، تنقصه القيادات الشابة؟ ألم يسأل هؤلاء الأخوة أنفسهم لماذا انفضّ الشباب عن الفصائل والحركات؟ أليس لأنها شاخت فكرًا وأداءً، وباتت قوة طاردة وليست جاذبة؟ كيف يمكن الانتقال من مرحلة الخواء النضالي والتكلس الفكري إلى مرحلة مواجهة العدو حضاريا وميدانيا، بدون الشعب وعنصر الشباب؟

الثالثة: لا يدرك قادة الفصائل التحولات الاجتماعية والمعنوية والذهنية التي جرت في المجتمع الفلسطيني، على مدار ثلاثة عقود من حقبة أوسلو، حيث تم تقويض الروح الكفاحية وتعميم السلبية والقنوط وفقدان الرغبة في التضحية وانتشار الفردانية أو خلال العقد الأخير من الثورات العربية وبطش الأنظمة بها بوحشية باتت تُقارن على المستوى الشعبي ببطش المستعمر لصالح الأخير. ولا أعتقد أن الجماهير الشعبية ستستجيب بسهولة أو بسرعة لنداءات المقاومة المشتركة بدون معالجة الأسباب المذكورة، وتوفير الشروط المطلوبة لتحريك الجماهير. إن الخراب الممتد أفقيا لا يمكن إصلاحه بمراسيم وبيانات وخطابات قديمة، إنما سيحتاج إلى آليات عصرية وخطاب وطني تحرري تقدمي، شامل، تتوفر فيه كل قيم التحرر والحرية، التي ترتبط بتحرر وحرية الشعوب العربية، والمواطن الفرد.