المنطق الإسرائيلي وتحويل "قنبلة" نتنياهو ضد الشرطة إلى فقاعة

المنطق الإسرائيلي وتحويل "قنبلة" نتنياهو ضد الشرطة إلى فقاعة

عندما يعتذر رئيس حكومة إسرائيل، أو بالأحرى، يعترف أن الشرطة الإسرائيلية صنعت من يعقوب أبو القيعان "إرهابيا" لتبرير قتله وحظيت بتغطية كاملة على فعلتها من النيابة العامة، فهذا شيء كبير واعتراف خطير لا يجوز التقليل من شأنه أو تسخيفه أو إزاحة الأضواء عنه نحو دوافع نتنياهو الشخصية والعلاقات "الثأرية" السائدة بينه وبين الشرطة والنيابة العامّة، بسبب ملفات الفساد التي يحاكم عليها.

قدّم لنا نتنياهو، بغض النظر عن منطلقاته ودوافعه، هدية كبيرة على شكل اعتراف واضح وصريح من قبل رأس الهرم السياسي في إسرائيل يفيد بأن شرطة إسرائيل لا تستبيح دماء العربي الفلسطيني وتختلق التبريرات والذرائع للتستير على فعلتها فقط، بل هي تلقى التغطية الكاملة لجرائمها، أيضًا، من النيابة العامة.

ماذا يعنينا نحن العرب الفلسطينيّين، الذين نتعرض للقتل اليومي من قبل شرطة إسرائيل وأذرع أمنها المختلفة، إذا كان اعتراف نتنياهو هو "محاولة أخيرة للإفلات بجلده من ملفّاته"، وهو "يفتح بهجوم على الشرطة والمدعي العام ويكشف أسرارهم المشتركة..."، كما كتب ثابت أبو راس، أو أنّه جاء "في إطار حربه للتملّص من السجن بسبب فساده، وذلك بالطعن في اعتبارات الشرطة والنيابة العامة"، كما كتب رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة؟ ما يجب أن يهمنا هو أنّ الأخير قدّم لنا اعترافا هو بمثابة دليل ملموس يدين الشرطة والنيابة العامة في قضية قتل عينية لمواطن عربي فلسطيني تشير إلى سياسة عامة في هذا المجال.

لماذا يجب أن نقتفي خطى "اليسار الإسرائيلي"، الذي يرى، بخلافنا، أن قضيته الأساس هي نتنياهو وفساده وليست يعقوب أبو القيعان وقتل العربي بدم بارد؟ ولذلك، فإنّ هذا "اليسار"، حتى عندما يلقي نتنياهو بـ"قنبلة" في قضية يعقوب أبو القيعان، يسعى إلى التقليل من حجمها وتسخيفها حتى لا تحجب الأضواء عن القضية التي يعتبرها القضية الأساس، وهي ملفات فساد نتنياهو.

وهذا "اليسار" لا مشكلة لديه في أن يشدّ من أزر الشرطة والنيابة العامة وسائر قوى ما يسمى بإنفاذ القانون، التي يتهم نتنياهو بمحاولة تقويضها. أما نحن، فإنّ قضيتنا الأساس هي قضية يعقوب أبو القيعان بوصفها استباحة للدم العربي من قبل شرطة القتل ونيابة التغطية على الجرائم التي ترتكب ضد العرب الفلسطينيين، ولا يمكن أن نكون مع الشرطة والنيابة العامة ونشد أزرهما، كما يفعل "اليسار الإسرائيلي" حتى لو كان ذلك ضد نتنياهو.

بتموقعنا ذاك فإنّنا لسنا من المدافعين عن سلطة إنفاذ القانون في إسرائيل في وجه نتنياهو، ولسنا من مناهضي الأخير بسبب ملفات فساده ولا بسبب محاولاته المس بهيبة الشرطة والنيابة العامة والقضاء، نحن نناصبه العداء لأنه صهيوني يميني استيطاني متطرف يكره العرب ويعادي الفلسطينيين. ولذلك نرى أنّ اعتذاره المرتبط باعترافه في قضية الشهيد يعقوب أبو القيعان هو ليس كما قالت النائبة عايدة توما "لا يساوي شيئا" و"استخدام عبثي للدم لأهداف سياسية" بل هو سابقة جريئة لم تصدر عن أي زعيم إسرائيلي سابق، تتمثّل في كشف أسرارٍ عميقة تخصّ كيفية التعامل مع المواطنين العرب الفلسطينيين والطعن بمؤسسات الدولة للدفاع عن قضية شخصية.

في هذا السياق، فإنّ اعتبار النائب أيمن عودة اعتراف نتنياهو "مجرد فقاعة إعلامية يستغلها الأخير لمصلحته الشخصية" هو إمعان في تمثّل الدور الإسرائيلي والتحول إلى محامي دفاع عن الجهات التي يسعى نتنياهو للطعن بنزاهتها كالشرطة والنيابة العامة. ولا ندري ما هي علاقة رخص حياة العرب لدى نتنياهو بموضوع استغلال الأخير لقضية يعقوب أبو القيعان لهذا الغرض، كما يكتب عودة.

إنّه شيء غير مفهوم أن يعتبر "ممثل الجماهير العربية ورئيس قائمتهم في الكنيست"، القنبلة التي ألقاها نتنياهو، بغضّ النظر عن دوافعه، والتي تحتوي على اتهام وإدانة واضحة ومباشرة للشرطة بقتل مواطن عربي فلسطيني وتحويله إلى "إرهابي" لتبرير قتله، وكذلك اتهام وإدانة للنيابة العامة بالتستر على القتلة بواسطة إغلاق ملف التحقيق ضدهم، مجرد فقاعة إعلامية للإفلات من ملفاته.

بالنسبة لنا كعرب فلسطينيين في هذه البلاد يفترض أن تكون محاكمة قتلة يعقوب أبو القيعان أهم من محاكمة نتنياهو، ولذلك عوضا عن تسخيفه وجب التمسّك باعتراف نتنياهو الذي يتهم الشرطة وتحويله إلى دليل لإدانة قتلة يعقوب أبو القيعان وإدانة شرطة إسرائيل على جرائمها ضد العرب وتواطؤ النيابة العامة في التستير على هذه الجرائم، وفيما يتعلق بجرائم الحرب التي يرتكبها هو غيره من مجرمي الحرب الإسرائيليين فنحلم بأن يقدموا إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.