أزمة تمثيل فلسطينيي 48 وامتدادها الفلسطيني

أزمة تمثيل فلسطينيي 48 وامتدادها الفلسطيني

تتوالى الأخبار الدالة على أزمة تمثيل فلسطينيي 48 سياسيًا، من الخلافات والمشاحنات التي عصفت بالقائمة المشتركة قبل وأثناء وبعد انتخابات الكنيست الثلاث الأخيرة، مرورًا بفضيحة التوصية بتكليف بيني غانتس لتشكيل الحكومة، وليس انتهاءً بالتقصير، وربما الفشل، في إدارة أزمة كورونا اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا. ويعزو البعض ذلك لأخطاء فردية وأحيانًا مؤسساتية في التعامل مع هذه الأزمات، فيما أعتقد أنها تعود لأسباب أكثر تعقيدًا، لا سيما إن لاحظنا تزامنها وارتباطها بأزمة التمثيل الفلسطيني عامة، مما يحيلنا لنقاش جذر المشكلة المنهجي والسياسي، بعيدًا عن التعلق بأوهام إعادة تجارب الماضي القريب، بحكم التحولات الجذرية والكبيرة التي حدثت محليًا وإقليميًا ودوليًا.

نجح التجمع الوطني الديمقراطي في المرحلة التي تلت توقيع أتفاق أوسلو من قبل القيادة الفلسطينية، في تجسيد هموم ومخاوف ومصالح فلسطينيي 48، سواء على المستوى اليومي أو تلك التي نتجت عن سقطة القيادة والجسم السياسي الفلسطيني في أوسلو. ففي مرحلة ما بعد أوسلو كان فلسطينيو 48 بحاجة لقوى سياسية تنتشلهم من التيه والخذلان الذين تسببت به القيادة الفلسطينية، بالتوازي مع مواجهة خطر أسرلة المجتمع الفلسطيني، بالإضافة إلى تبني برنامج نضالي ينتزع حقوقهم الاجتماعية المنتهكة، وهو ما تجسد في نضال مواطنة يسعى إلى انتزاع حقوقهم، على اعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق أسوة بغيرهم من المواطنين اليهود، استنادًا إلى تعريفهم القانوني كمواطنين ضمن الدولة الصهيونية. وقد عزز هذا البرنامج والنهج توافقه مع القيم والمبادئ السائدة عالميًا في ذلك الوقت، التي تعلي من قيم الحرية والعدالة والمساواة، ومن حقوق الإنسان والحق في التعبير عن الرأي والديمقراطية عمومًا والعلمانية نسبيًا.

ولمس فلسطينيو 48 نتائج هذا النهج الإيجابية سريعًا من خلال لملمة الوجود الفلسطيني وحشده في مواجهة خطر الأسرلة، بالإضافة إلى التحسن النسبي في ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وتوطيد الصلات والعلاقات مع الامتداد العربي الداعم للحق الفلسطيني، في حين تعذر تجسيد علاقة تكاملية مع الجسم السياسي الفلسطيني نتيجة خطيئته التي اقترفها في أوسلو، فيما تحقق نجاح نسبي على مستوى العلاقات الشعبية الفلسطينية داخل وخارج فلسطين. لكن لم يدم ذلك طويلا بفعل عوامل ذاتية وموضوعية عديدة، أهمها تغيير الظروف والأوضاع داخل فلسطين بفعل سياسات الدولة الصهيونية العنصرية، واستمرارها في ممارسة سياسات التطهير العرقي تجاه الكل الفلسطينيين، وبحكم عجز هذه المنهجية عن مواجهة التحديات الاجتماعية الجديدة التي فرضتها الدولة الصهيونية على فلسطينيي 48.

كما ساهمت التبدلات الدولية كذلك في تقويض هذه المنهجية، بعد سيطرة قوى يمينية عنصرية على غالبية المشهد الدولي ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، التي لا يفوت رئيسها دونالد ترامب أي مناسبة للتعبير عن إعجابه بالحكومات والنظم الاستبدادية، بل وتكرس قراراته وممارساته سلوكًا استبداديًا وقمعيا تجاه الداخل الأميركي، وقد لا يتمكن من تقويض الأسس الديمقراطية الأميركية، ولكنه يقوض منظومة القيم الديمقراطية والإنسانية عالميًا، وهو ما انعكس على مجمل الوضع العالمي وعلى أوضاع الفلسطينيين كذلك ومنهم فلسطينيو 48. وقد ترافق انهيار مكانة القيم الإنسانية الكونية مع سيطرة قوى اليمين الصهيوني أيضا ممثلة برئاسة بنيامين نتنياهو المتحكم الأكبر في المشهد الصهيوني، والذي تمكن من تقويض حل وخيار الدولتين من ناحية، وقيم المواطنة من ناحية أخرى، ليجسد بوضوح شديد دولة عنصرية إجرامية تمارس تطهيرًا عرقيًا بحق كّل ما يتعلق بفلسطين، دون أي تمييز يذكر بين فلسطينيي 48، القدس، الضفة، أو غزة؛ وهو ما أعاد مشهد الصراع الفلسطيني - الصهيوني إلى بداياته الأولى، وأزال الكثير من مساحيق التجميل التي عملت على حجب حقيقية الدولة الصهيونية.

وعليه، عدنا مرة أخرى إلى مربع الصراع الأول، لتفرض سياسات وممارسات الدولة الصهيونية المدعومة أميركيًا ودوليًا، وللأسف عربيًا، على كل الشعب الفلسطيني مراجعة جدية لمجمل النهج النضالي المتبع في السنوات الماضية، على الصعيدين المناطقي والوطني. فلم تعد الأسرلة هي الخطر المباشر والمحدق بمجتمع فلسطين 48، أو بأي من التجمعات الفلسطينية، بقدر ما أصبح الخطر محدقا بحق الوجود الفلسطيني والحقوق الفلسطينية كاملة. إذ قلصت الممارسات الصهيونية الفروقات بين التجمعات الفلسطينية داخل فلسطين، وربما مع خارجها أيضًا، عبر جملة من القوانين العنصرية والإقصائية، وأشهرها "قانون القومية". لذا لم تعد منهجية النضال المناطقية القديمة صالحة اليوم، كما لم يعد من صالح التجمعات الفلسطينية تجزئة الساحة النضالية وفق تقسيمات افتراضية صنعتها الدولة الصهيونية، وصراعات القوى السياسية الفلسطينية، والانقسامات الإقليمية. وهو ما يبدو أن مجمل أو على الأقل غالبية مكونات المجتمع الفلسطيني داخل وخارج فلسطين قد أدركته، وتلمسوا حجم الخطر الصهيوني الذي يهدد وجودهم وحقوقهم السياسية والوطنية والاجتماعية. بينما لم ينعكس هذا التغيير الكبير على أي من توجهات وبرامج القوى الفلسطينية داخل 48 وخارجها، وصولا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يفسر انفضاض أو على الأقل نفور الشعب الفلسطيني من غالبية قواها، باستثناء بعض الحالات الخاصة التي فرضت على الشعب الفلسطيني التفافًا آنيًا حول الجسم السياسي الفلسطيني، كما يحصل جزئيًا في مواجهة "صفقة القرن"؛ حصار غزة؛ وخطر استمرار سيطرة قوى اليمين الصهيوني ممثلة برئاسة نتنياهو.

أي تعود أزمة تمثيل فلسطينيي 48 إلى أسباب عديدة؛ منها ذاتية تتعلق بسوء أداء القوى السياسية؛ ومنها موضوعية مباشرة فرضتها السياسيات العنصرية الصهيونية وممارسات التطهير العرقي بحق المكون الفلسطيني داخل وخارج أراضي 48، كجزء من مجمل أزمة التمثيل الفلسطيني العامة. وهو ما يجب أن يفرض تبدلًا واضحًا في منهجية النضال الفلسطيني داخل وخارج أراضي 48، بمضمون إنساني، تقدمي، تحرري ووحدي، يتجاوز نتائج أوسلو التقسيمية من ناحية، ويتصدى لجميع أشكال الظلم والعنصرية والإجرام المرتكبة بحق المكون الفلسطيني، وفق منهجية تكاملية مُنسقة ومُنظمة بين جميع التجمعات الفلسطينية. فقد وحدت الإستراتيجية الصهيونية ساحات النضال الفلسطيني، بعدما بعثرتها اتفاقيات السلام التي توالت بعد أوسلو. كما لا بد أن تؤسس هذه المنهجية والإستراتيجية الفلسطينية على أرض صلبة تحكم وسائلها النضالية وتحالفاتها وعلاقاتها الخارجية والداخلية، وتشكل منطلقًا واضحًا لرؤيتها وهدفها النهائي، وهو ما يتطلب برنامجًا ونهجًا تقدميًا تحرريًا ديمقراطيا فلسطينيًا، يحمل أحلامنا وتطلعاتنا المستقبلية حول دولتنا الوطنية التي نناضل من أجلها، ويعبر كذلك عن امتدادنا العربي والعالمي الديمقراطي والتحرري الذي نصبو إليه ونشاركه الألم والحلم اليوم، والأمل بغد يليق بنضالات الشعوب المقهورة والمظلومة.


* كاتب فلسطيني