أحزاب بلا ممارسات نقديّة... حياة في الموات

أحزاب بلا ممارسات نقديّة... حياة في الموات

ليس من المتوقّع أن يكون كلّ ما في "القائمة المشتركة" مُجْمَعًا عليه؛ داخل كلّ إطار تنظيميّ، مهما كانت طبيعته وحجمه، لا بدّ من تفاوتات وخلافات، بل لا بدّ من معارضة نقديّة نسبيّة تُتاح، خاصّةً أنّه ما من رقابة وشفافية يمكن لها أن تتحقّق من دون تفعيل مبدأ المعارضة، وهو الضامن لحيويّة كلّ إطار، ويمثّل علّة قدرته على الحياة بمعناها الفاعل، لا الخامل.

لكن ما يميّز تجربة "المشتركة" في هذا السياق، ثلاثة أمور مركزيّة:

أ. غياب صيغة ضابطة ومنظّمة تستوعب تفاوتات مركّباتها، وبالتالي خلافاتها، وهي في الحقيقة لم تعد جوهريّة كما في السابق، منذ راح يتنازل "التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ" تدريجيًّا عن دوره النقديّ في إطار "المشتركة"، وكذلك دوره المتحدّي للنظام السياسيّ الإسرائيليّ الحاكم لفلسطين، ومن ضمن هذا النظام وجزء منه السلطة الفلسطينيّة ببنيتها الحاليّة.

غياب الصيغة الضابطة والمنظّمة يؤدّي بين الحين والحين إلى أن تنفجر أزمة فائضة عن الحاجة وهادرة للطاقات، من نوع أزمة "قانون العلاج القسريّ للمثليّين" (2020)، ومن قبلها أزمة الخلاف على تركيبة تشكيل القائمة ما أدّى إلى تشكيل قائمتين (2019)، ومن قبلها "أزمة التناوب" (2017)، وغيرها الكثير. ويرتبط غياب هذه الصيغة بغياب خطّة عمل في المستويين الإجرائيّ والإستراتيجيّ، تعمل على تحويل "المشتركة" إلى مؤسّسة حقيقيّة، توظّف مواردها البشريّة والتمويليّة بأنجع صورة ممكنة نحو تحقيق أهداف عينيّة قابلة للقياس. إنّه باختصار غياب النسق الجماعيّ لصالح العمل الفردانيّ، والكُتَلِيّ في أحسن الأحوال، أي كلّ كتلة على انفراد.

ب. الارتباك أمام النقد الجماهيريّ أو الصحافيّ؛ فإمّا التعامل معه باستخفاف، أو تجاهله تمامًا، أو محاولة التقزيم منه ومهاجمته، أو الالتفاف عليه بالتلويح بمخاطر "الأحزاب الصهيونيّة" وذكر المحاسن الذاتيّة الوطنيّة، أو المسارعة إلى تقديم تبريرات مرتجلة وغير مهنيّة، ودون ذلك من أشكال التهرّب من النقد وعدم القدرة على الاعتراف بالتقصير أو الخلل، مثلما يُتَوَقّع من كلّ شخصيّة تمثّل جمهورًا وتضطلع بأدوار عامّة. هذا ما شهدناه مثلًا مع ردّ نوّاب من "المشتركة" على النقد الكبير الموجّه إليها نتيجة تغيّب 7 من أصل 15 نائبًا عن التصويت على "قانون حقوق الطلّاب – دعم مادّيّ في ظروف طارئة" (2020). بل إنّ النائب أيمن عودة، نشر ردّين عبر صفحته الرسميّة في فيسبوك خلال 24 ساعة؛ فقد جاء ردّه الثاني المصوّر ليؤكّد على شرعيّة النقد واحترامه له، بعد أن أثار ردّه الأوّل المكتوب استياءً بسبب ما بدا أنّه استخفاف بالجمهور. تراجعه يُحْسَب له في الحقيقة، لكن إن كان من شيءٍ يُقَدَّر حقًّا، فسلوك الجمهور الّذي تمكّنه وسائل التواصل الاجتماعيّ من المساءلة والتعبير بصراحة وحرّيّة، بعيدًا عن المنابر الخاضعة لمقصّ المحرّر الحزبيّ التقليديّ.

لفت انتباهي في سياق الجدل حول "قانون حقوق الطلّاب"، ما كتبه النائب السابق مسعود غنايم (الإسلاميّة الجنوبيّة)، الّذي حاول الموازنة بين إنصاف برلمانيّي "القائمة المشتركة" لما يقومون به من جهود لمعالجة ما أسماه "القضايا الحارقة"، وضرورة عدم تقديمهم لقمةً سائغة للأحزاب الصهيونيّة، وبين نقده الواضح والحاسم لنوّاب "المشتركة"، إن كان لتغيّبهم عن التصويت، أو لطريقة تبريرهم غير المقنع لهذا التغيّب. وذلك على عكس القياديّ في حزبه، النائب منصور عبّاس، الّذي انهمك أيضًا في التبرير بدلًا من الاعتراف بالقصور، وذلك في فيديو طوله 30 دقيقة، يقوم على الحشو والإطناب، بدلًا من التكثيف والاختصار، في ما بدا لي محاولة تبريريّة غير موفّقة، عبر ردّ غير مؤسّساتيّ، وكأنّ المواطن مضطرّ إلى أن يستمع لكلّ هذا الكمّ من الكلام ليحصل على جواب مفيد حول مسألة عمل إجرائيّة. وفي العموم، فإنّ إرث الخطبة الدينيّة يبدو جليًّا في السلوك التواصليّ لمنصور عبّاس، وهذا ما لا يتوافق مع السمة الوظيفيّة للنصّ المهنيّ أو المؤسّساتيّ، إن كان منطوقًا أو مكتوبًا.

ت. تجنّب النقد والمساءلة، وذلك بتجنّب الخوض في بعض القضايا المصنّفة بأنّها "ذات حساسية"، ولا سيّما المتعلّقة بحقوق الأفراد والأحوال الشخصيّة، والّتي تقف منها شرائح غير قليلة من المجتمع الفلسطينيّ موقفًا محافظًا سلبيًّا (ولا أقول موقفًا دينيًّا، لأنّ ثمّة ممارسات تاريخيّة في الفضاء العربيّ الإسلاميّ، حتّى فقهيًّا، أكثر انفتاحًا من ممارسات شخصيّات وتيّارات بنت زماننا، تدّعي أنّها حداثيّة وليبراليّة وتقدّميّة. مَنْ ينظر في مؤلّفات الإمام جلال الدين السيوطي مثلًا، أو الجاحظ، أحد أبرز عقول بلاط الخلافة العبّاسيّة، سيدرك ذلك بوضوح). كما ثمّة امتناع عن إعلان مواقف والإدلاء بتصريحات تجاه أنظمة سياسيّة عربيّة.

لعلّ أبرز مثال على ذلك من نوّاب "المشتركة"، أحمد الطيبي، الّذي لا تُعْرَف له تصريحات ومواقف وآراء واضحة تجاه قضايا اجتماعيّة "ذات حساسية"، بل قد تجده ينحاز ضدّها، ضاربًا عرض الحائط منظومة حقوق الإنسان الّتي يستند إليها نفسها في محاججة الإسرائيليّين، كما حصل أخيرًا في لقاء معه على "إذاعة الناس" مع الصحافيّ محمّد مجادلة، فلولا إصرار الصحافيّ لَهَرَبَ من السؤال، وعندما اضطرّ أن يجيب قدّم موقفًا لا يتوافق مع حقوق الإنسان. يدرك الطيبي أنّ شرائح داعميه هي غالبًا محافظة قيميًّا، وهو يعمل على تغذية هذه المحافظة وتكريسها، بالصمت أو بالانحياز، حتّى لو كان الثمن ممارسات تنمّريّة ناتجة عن غياب الترشيد.

كما لا يُذْكَر أنّه تطرّق يومًا، ولا بأيّ نوع من النقد، للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، أو الأنظمة الملكيّة والجمهوريّة العربيّة على نحو عينيّ. وهذا ما كان منه حتّى الآن تجاه إعلان التحالف الإماراتيّ – الإسرائيليّ تحت لفظ "سلام"، إذ لم ينشر في صفحته الرسميّة على فيسبوك سوى منشور شاعريّ مجازيّ، عبارة عن صورة لسيّدة فلسطينيّة تتشبّث بجذع زيتونة، مُرْفِقًا تعليقًا قصيرًا شديد العموميّة حول التطبيع، جاعلًا الأمر منقطعًا تمامًا عن مناسبته وسياقه. فهل هذا ما يُنْتَظَر من شخصيّة سياسيّة منتخبة تُدْلي برأيٍ ما في شؤون عامّة على هذا القدر من الخطورة؟ بل إنّه لدى حديثه عن الموضوع في أحد بثوثه (Live) على صفحته الرسميّة، تجنّب ذكر اسمي "الإمارات" و"البحرين"، رغم توجيه سؤال عينيّ له حول الموضوع في التعليقات، لاجئًا أيضًا إلى التعميم، فذكر "تطبيع دول الخليج"، علمًا أنّ موقفي دولتي الكويت وقطر مختلفان تمامًا، وعلمًا أيضًا أنّه حتّى السعوديّة لم تجرؤ حتّى الآن على أن تحذو حذو الإمارات، في ظلّ تسريبات عن خلافات داخل القصر الملكيّ السعوديّ بين الملك سلمان ووليّ عهده في هذا الشأن.

السكونيّة

إنّ الثقافة الحزبيّة الّتي أُنْتِجَت وعُمِلَ بمقتضاها على مدار عقود في المجتمع السياسيّ الفلسطينيّ، وتحديدًا في الأراضي المحتلّة عام 1948 (داخل الخطّ الأخضر)، ثقافة تغلب عليها السكونيّة لا الجَهْرِيَّة، الإبطان لا الإظهار، الإخفاء لا الإجلاء؛ وبالتالي فهي ثقافة تنادي "بالنقد" في مستوى النصّ المُنْتَج، إن كان منطوقًا أو مكتوبًا، لكنّها ترتبك أمام النقد، وتثور حفيظتها، وتمتعض متى وُجِدَ ومورِسَ فعليًّا.

من النادر أن تجد عضوًا حزبيًّا، وتحديدًا إن كان من الموظّفين الحزبيّين المرتبطة أرزاقهم بتمويل المؤسّسة الحزبيّة، أو يشغل موقعًا تمثيليًّا في مؤسّساتها، قادرًا على ممارسة دور نقديّ مُعْلَن تجاه ما يحصل داخل حزبه أو حركته، وتحديدًا تجاه الشؤون الإداريّة والماليّة. إن حصل مثل هذا، فيكون غالبًا في الشؤون السياسيّة العامّة المتعلّقة بالتعامل مع المؤسّسة الإسرائيليّة، مثل "التوصية على غانتس"، أو شأن عربيّ/ إقليميّ/ عالميّ مثل "الموقف من الثورة السوريّة" (المؤامرة وفق قراءة بعض الفاعلين السياسيّين)، أي تلك الموضوعات الّتي تبقيك مهما قلت في منطقة الأمان السياسيّ - الاجتماعيّ. حتّى داخليًّا ستجد هذا النوع من الأعضاء الحزبيّين يُطْنِبُ في المَدْح، ولا يمارس أيّ دور نقديّ، كأنّهم "حزب كنبةٍ" داخل أحزابهم.

وإن وُجِدَ نقد من نوعٍ ما، فيكون بلغةٍ تلوذ بالتعميم هربًا من التحديد. حتّى أنّني أنا نفسي وجدتني، وأجدني، متورّطًا في مثل هذا أحيانًا، رغم تنبّهي له، ومحاولاتي الحثيثة لتخليص نفسي من قيود الضغوط الاجتماعيّة والسياسيّة، لكن ربّما هي الخشية الدفينة في اللّاوعي من تَنَمّرات محتملة وتدفيع ثمن ممكن، ما يقيّدنا ويحدّد من حرّيّاتنا. نحن نستشعر على نحوٍ غير واعٍ ربّما التنمّرات الممكنة، ونَحْسِبُ على نحوٍ واعٍ تدفيعات الثمن المحتملة، إن عبّرنا عمّا نفكّر به بصراحة، وإن بلغة موضوعيّة ومُعَقْلَنَة قدر الإمكان؛ وقد دفعتُ أنا وغيري كثيرين، أثمانًا متفاوتة لممارساتنا أدوارًا معارِضة ونقديّة، ترتبط بحقوق أفراد ومجموعات، وبإجراءات عُرْفِيَّة وبروتوكوليّة، وذلك ضمن أطر مختلفة، تتّخذ من الحرّيّات والحقوق شعارات كبرى. على كلّ حال، امتحان النفس كامن في اجتهادها.

إنّ الثقافة السكونيّة/ الإبطانيّة/ الإخفائيّة، الّتي تحمي نفسها بالتنمّر الممكن وتدفيع الثمن المحتمل، هي الّتي أنتجت، ولا تزال، ظاهرة "التسريبات" لنقاشات أو قرارات داخليّة محلّ خلاف في حزب أو حركة ما، أو لظاهرة التصريحات على ألسنة "شخصيّات قياديّة" مجهولة الهويّة لمنابر إعلاميّة غير مهنيّة تبحث عن "سكوبات" صفراء. هي ثقافة تستفيد من مقولاتٍ من نوع "عدم نشر الغسيل الوسخ" و"السترة" و"الكنس تحت السجّادة" و"مش وقته"، وتُقَوْلِب كلّ ذلك بلفظ يبدو جميلًا ظاهرًا، لكنّه يخفي الكثير من الممارسات التقييديّة والزجريّة والقمعيّة، لفظ "الالتزام"!

هذه الثقافة، هي أيضًا الّتي تسمح بأن تتراكم تفاوتات وخلافات يمكن احتواؤها وتداركها، لو توفّرت أقنية الحوار المنفتحة والمتقبّلة المصغية، وأُتيح المجال أمام المعارضة النقديّة، الجَهْرِيَّة حتّى، ما يؤدّي إلى تفاقم هذه التفاوتات والخلافات إلى صراعات وانشقاقات واستقالات، نتيجة زعزعة منظومة الثقة، النابعة من غياب الشفافية الضامنة للنزاهة وتكافؤ الفرص ومنع الاحتكار والإقصاء.

صورتان من المشهد

"التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ"، هو الحزب الوحيد في أراضي 48، في تقديري، الّذي تمكّن من ممارسة دور نقديّ تجاه نفسه، وإن كان بنسبيّة ومحدوديّة، وليس دائمًا؛ فكان يمكن أن تكتب مقالةً تنقد فيها سياسات الحزب تجاه بعض القضايا، ولن يقاطعك أحدٌ أو يضعك في قائمة سوداء أو يخوّنك إن فعلت، بل يمكن أن تُدْعى شخصيّات أكاديميّة وسياسيّة وثقافيّة تختلف جوهريًّا مع برنامج الحزب السياسيّ وأدبيّاته لتشارك في أنشطته، وتمارس نقدها تجاهه أمام أعضائه دون حرج. هذا لم يحدث إلّا نادرًا لدى أحزاب وحركات أخرى، في حدود معرفتي واطّلاعي المواكب للمجتمع السياسيّ الفلسطينيّ. ربّما كان لخوض المئات من أعضاء التجمّع الشبيبة والشباب تجارب من نوع "تدريب المناظرة" و"التفكير النقديّ"، إن داخل الحزب أو في مؤسّسات مجتمع مدنيّ مختلفة، أثرٌ مركزيّ في إكسابه هذه السمة الثقافيّة الّتي منحته خصوصيّة وقوّة لسنوات.

لكن هذه الأيّام، حتّى داخل التجمّع، فإنّ الإتاحة لممارسة المعارضة النقديّة، إن كان ضمن الأقنية الرسميّة الداخليّة أو الخارجيّة، تراجعت على نحو كبير جدًّا، وليس بوُسْعي أن أحدّد عينيًّا بدء هذا التراجع على محور الزمن بصفتي عضوًا سابقًا في التجمّع، لكن يمكنني تحديد أحد أسبابه، وهو انتكاس الحضور الشبابيّ، ممثّلًا للمعاصرة والديمقراطيّة الجوهريّة (لا الإجرائيّة) والروح النقديّة داخل الحزب، لصالح سيطرة الحضور المحافظ قيميًّا، والكلاسيكيّ تنظيميًّا، والّذي ساهم في توجيه ديمقراطيّة الحزب نحو ما هو تكتيكيّ وإجرائيّ في إطار استحقاقات انتخابيّة، وأحيانًا عبر استغلالات واضحة كانت موضع نقاش جدّيّ لثغرات في الدستور، نحو تحقيق مكاسب سياسيّة ذاتيّة أو فئويّة. وممّا ساهم في هذا أيضًا، أنّ البيئة المحيطة بالتجمّع، كانت كيديّة أكثر ممّا ينبغي تجاهه، حتّى من قبل مَنْ يتّفقون معه حول الكثير من الأمور الجوهريّة، وقد استُغِلَّت الثقافة النقديّة الّتي طوّرها داخليًّا، حتّى تجاه نفسه، للنيل منه والمسّ بمكانته وهضم حقوقه غالبًا؛ فأدّى هذا لدى كوادره إلى التعامل مع هذه السمة بصفتها نقطة ضعف فيه، لا نقطة قوّة، ما أدّى إلى استغنائه التدريجيّ غير المخطّط عن هذه السمة. هل يمكن لشخص/ جهة ما أن يكون نقديًّا منفتحًا في بيئة مليئة بالسكاكين؟ لا أعتقد ذلك.

أمّا "الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة"، ومن ضمنها "الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ"، فإنّ مصادر عديدة، ذاتيّة ورسميّة، تؤكّد على أنّ سلوكها التاريخيّ مع ممارسي المعارضة النقديّة تجاهها، إن كان في مستويَيِ الداخل والخارج، غالبًا ما كان قاسيًا جدًّا، حدّ الإقصاء ونزع الشرعيّة والاجتثاث. هذا ما حصل بأشكال متفاوتة مع شخصيّات مثل إميل حبيبي، وصليبا خميس، وسلمان ناطور، وراشد حسين، وحنّا أبو حنّا. علمًا أنّ تلك الشخصيّات جميعًا، باستثناء راشد، كانوا جزءًا من بنية الجبهة والحزب، وهذا لم يشفع لهم أبدًا مع تبدّل متبوّئي مواقع اتّخاذ القرار. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا النهج تراجع لدى الجبهة على نحو لافت، كما يبدو لي، منذ تولّيهم التوافقيّ لرئاسة "القائمة والمشتركة" وكذلك "لجنة المتابعة"، فبات خطابهم العامّ تجاه مكوّنات المجتمع السياسيّ الفلسطينيّ الأخرى، أقلّ عدائيّةً ممّا هو مُعْتاد تاريخيًّا. مَنْ يصدّق أنّ خطاب "الأيادي النظيفة البيضاء" مقابل "الأيادي المتّسخة السوداء" أو "أحمر... لأنّه الدم لونه أحمر"، الّذي كان مركزيًّا لدى قياديّي وكوادر الجبهة حتّى عام 2015، لم نعد نسمعه بنفس الزخم والوتيرة تجاه باقي مكوّنات المجتمع السياسيّ الفلسطينيّ. وإن كنّا لا نزال نجد استسهالًا في التكفير الوطنيّ ونزع الشرعيّة، كما حصل مع شخصيّة علميّة، الدكتور عادل منّاع، بسبب ما تضمّنه كتابه التأريخيّ "نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيّين ظلّوا في حيفا والجليل 1948 – 1956" (2016) من نقدٍ لدور "الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ" في تلك الحقبة الزمنيّة، مدّعيًا أنّه أفاد الحركة الصهيونيّة. فأيّة شعبويّة في مناقشة كتاب أكاديميّ، مهما كان اختلافنا مع محتواه واستنتاجاته!

أخيرًا

يُنْتَظَر من "القائمة المشتركة"، أحزابها وبرلمانيّيها فُرادى، أن يمثّلوا نموذجًا للانفتاح وتقبّل الممارسات المعارضة والنقديّة، وهم بصفتهم ممارسين لدور المعارضة في الكنيست، بل المعارضة في قلب المعارضة فيها، لا يمكنهم إلّا أن يكونوا كذلك، وواجبهم أن يكونوا نقديّين حتّى تجاه أنفسهم، وتجاه أحزابهم، وتجاه "القائمة المشتركة" كإطار جامع. ليس من وظيفتهم أبدًا أن يمارسوا دورًا تجميليًّا طيلة الوقت وترويجيًّا لصنائع أيديهم البيضاء. كما يُنْتَظَر منهم عدم تجنّب الخوض في قضايا "ذات حساسية" مجتمعيّة أو سياسيّة، مقدّمين مصالحهم الذاتيّة والحزبيّة على حساب تطوير شعبهم قيميًّا وحقوقيًّا، إن كانت تعنيهم حقًّا منظومة حقوق الإنسان، الّتي تُعَدّ أساس محاججتهم للمستعمِر الإسرائيليّ.

يُنْتَظَر منهم أيضًا تثقيف كوادرهم وإكسابهم قيمًا ومهارات تعزّز لديهم الانفتاح، وتقلّل من التمترس المُأَتْمَت، وتقودهم نحو مخاطبة المختلفين معهم بالحسنى، وتقنعهم بأنّهم - حتّى وطنيًّا - دعاة لا قضاة، وأنّه ليس من حقّهم توزيع شهادات حسن سيرة وسلوك على أحد بأنماط تسلّطيّة.

إنّ أطرًا وشخصيّات تدّعي أنّ من أولويّاتها مكافحة العنف والجريمة، لا يمكنها إلّا أن تكون قابلةً للممارسات المعارضة والنقديّة، إن كان داخليًّا أو خارجيًّا، ولا بدّ لها أن تنأى بنفسها عن أيّ مظهر أو ممارسة تؤدّي إلى الحدّ منها أو ردع ممارسيها أو تقويضها، ولا سيّما أنّ ما يصدر عن هذه الأطر والشخصيّات من فعلٍ أو قول، له تأثيره في الجمهور، معجمًا وأسلوبًا.

أكتب هذا وأنا على علم أنّني شخصيًّا، وفي حمأة بعض النقاشات، قد أمارس ما يبتعد عن مضمون كلامي هذا هنا أو هناك، رغم إخضاع النفس لرقابة مستمرّة؛ فمكابدة النفس وأهوائها جهاد واجتهاد.