أين نحن من كل هذه المبادرات الإصلاحية؟

أين نحن من كل هذه المبادرات الإصلاحية؟

قد لا يترك الكلام الإضافي أي أثر فعلي على القانعين والمسترخين في مراكزهم في الساحة الفلسطينية. فطوفان النقاش والجدل الناقد لإحداث تغيير في ساحتنا الوطنية، متدفق ويتسم بالغنى والتنوع، ولكن الآذان صماء، والعقول مغلقة. ليس من شك بأن هذا الانغلاق لا ينبع من جهل فحسب، بل من فائض الغرور، ومن ترسخ المصالح المادية المتراكمة بفعل المكوث في المنصب لسنوات طويلة، ومن الرغبة الغريزية في التمسك في المواقع الأولى. وبالتالي فإن المناشدة واللطم في فيسبوك ليسا وصفة للعلاج، بل وصفة لزيادة الإحباط، والطريق هو الخروج إلى ميدان الفعل.

الانغلاق ينطبق على القيادات في الساحة الفلسطينية عمومًا، وليس في ساحة تجمع فلسطيني واحد. شعبنا كله يعاني من قصور فاضح لقيادات فاقدة للشرعية، ربما قدمت في الماضي مساهمات مفيدة لشعبها، ولكنها باتت وبالاً على حاضره ومستقبله. وبطبيعة الحال، لحالة القيادة الفلسطينية الكارثية، في المناطق المحتلة عام 1967، وخصوصًا فريق أوسلو، الذي هرول بصورة صبيانية عائدًا إلى حظيرة التطبيع للعب دور من داخلها، والتي يشكل التنسيق الأمني والدوران في لعبة المفاوضات واسترضاء الأنظمة المطبعة، بل المتحالفة أمنيًا مع المستعمر، دون أي اعتبار لصوت الشعب الفلسطيني، يشكل أقبح وأحط أشكال هذا التطبيع.

ليس موضوع المقال السلطة الفلسطينية التي باتت المراهنة على أي تغيير فيها ضربًا من العبث. إنما عن المرجعية التمثيلية وما يتعلق بواقع فلسطينيي 48، هذا الجزء الذي بدا قبل خمسة أعوام لبقية شعبنا الفلسطيني وكأنه يمثل نموذجًا استثنائيًا في غابة الانقسام والتشرذم فلسطينيًا وعربيًا، وذلك عند إقدام القوى السياسية العلمانية والإسلامية تشكيل القائمة المشتركة. وليست الهرولة الصبيانية وغير الأخلاقية لآلاف المواطنين العرب إلى دولة فتحت أبوابها بهدف ضرب قضيتنا الوطنية، ومساعدة إسرائيل على تشديد قبضتها على المسجونين المقهورين، أي إخواننا في قطاع غزة والقدس والضفة ومخيمات اللاجئين، إلا أحد التعبيرات البائسة للانهيارات التي يشهدها شعبنا، والتي يتحمل غالبية المسؤولية عنها سلوك القيادات ونهجها غير الوطني.

المسـألة الملفتة للنظر في ظل هذا الواقع المتردي، ليس قصور القيادات، فهذا الأمر بات معروفًا وصارخًا، إنما غياب المبادرات الإصلاحية المستقلة الجدية داخل الخط الأخضر، من خارج الهيـئات التمثيلية والأحزاب والحركات القائمة، سواء الممثلة في لجنة المتابعة أو القائمة المشتركة، في حين تزخر الساحة الفلسطينية عمومًا بالمبادرات الوطنية، الإصلاحية، التي تنشط خارج سلطتي "فتح" و"حماس" وخارج الفصائل التي تجمدت منذ فترة طويلة. ولنذكر مجموعة من أهم المبادرات، وخاصة تلك العابرة للتجمعات الفلسطينية، وأولها وأبكرها، حملة المقاطعة الدولية (بي. دي. أس.) التي انطلقت من رام الله عام 2005 من عشرات منظمات المجتمع المدني، والتي باتت أكثر حركات التغيير الفلسطينية المدنية إزعاجًا وتهديدا للشرعية الأخلاقية لنظام الأبرتهايد الاستعماري على ساحة المجتمع المدني العالمي. هذه الحركة نشطت ضد التطبيع في الوقت الذي كانت ولا تزال سلطة رام الله تعتبر التنسيق والتطبيع مع المستعمر مقدسين. ومع ذلك، لم تستسلم لواقع سلطة رام الله ولا للواقع الكولونيالي، وحققت إنجازات مبهرة على الساحة الدولية، وأحدثت فرقًا مهمًا في فهم إسرائيل لدى قطاعات واسعة من المجتمع المدني العالمي.

المبادرة الثانية، ائتلاف لجان العودة في الخارج والداخل، الذي أعاد إحياء حق العودة في مواجهة الميل الواضح لسلطة أوسلو التفريط بهذا الحق المقدس.

المبادرة الثالثة، ما يعرف بّمؤتمر فلسطينيي الخارج، الذي عقد في الخارج مرتين حتى الآن وحضره الآلاف، في مواجهة تهميش هذا الجزء من شعبنا، أي اللاجئين، ومن اضطر العيش في الشتات.

المبادرة الرابعة، "ملتقى فلسطين" الذي انطلق قبل ثلاث سنوات، وبات له الآن منبرًا إعلاميًا، وقد انخرط به المئات من المثقفين والأكاديميين والنشطاء. هدفه تشكيل وترسيخ رأي عام فلسطيني حول جملة من الأهداف، أهمها فكرة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية كحركة تحرر وطني، واستعادة فكرة فلسطين كوحدة جغرافية وديمغرافية وتاريخية، واحدة، وذلك من خلال إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

المبادرة الخامسة، "حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية"، التي انطلقت أوائل عام 2018، من حيفا وغزة والضفة والقدس والخارج، وهدفها إحياء مشروع الدولة الواحدة كمشروع تحرري وطني وديمقراطي على أنقاض المشروع الصهيوني الاستعماري العنصري، والمساهمة في توليد ثقافة سياسية جديدة، وتجنيد الأجيال الجديدة حول رؤية تحررية شاملة واضحة.

المبادرة السادسة والحديثة، هي حملة إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، وانتخاب قيادة فلسطينية جديدة بديلاً عن القيادة الحالية. ومن أبرز المبادرين، الشخصيتان الوطنيتان المعروفتان أنيس القاسم وسلمان أبو ستة.

هناك عشرات المبادرات الأخرى مثل "المسار البديل" الذي يفترض أن يعقد مؤتمره العام المقبل في مدريد. ويجدر لفت النظر إلى أن "ملتقى فلسطين" وفي إطار إستراتيجيته بتوحيد الجهود الإصلاحية، والتشبيك بين المبادرات المختلفة، شرع مؤخرًا في إجراء لقاءات مكثفة مع عدد منها، في محاولة لبناء مظلة وطنية جامعة.

فماذا مع دور النخب الفلسطينية داخل الخط الأخضر إزاء كل ما يجري؟

هناك عدد لا زال قليلا من الأكاديميين والنشطاء من داخل الخط الأخضر، الذين ينخرطون، بل من المبادرين، في بعض هذه المبادرات الهامة، التي تتركز في مهمة تجديد القيادات والكيانات التمثيلية الفلسطينية المتمركزة داخل المنطقة المستعمرة منذ عام 1967. ولكن أين المبادرات المحلية التي من المفترض أن تنشط من أجل تجديد الأطر الحزبية والتمثيلية القُطرية وإنقاذ فلسطينيي 48 من خطر الانحلال السياسي والوطني الكامل. ألا يحتاج ما يعصف بلجنة المتابعة العليا من عطب مستمر ومتراكم وخطف الانتخابات، وتدمير القائمة المشتركة واستخدامها لبيع قضيتنا الوطنية، مرة لبيني غانتس، ومرة لبنيامين نتنياهو، ألا يحتاج كل ذلك للانتفاض والتحرك؟

ليس بإمكان فلسطينيي 48 الخروج من هذا المأزق الخطر من دون إطلاق مبادرة أو مبادرات مستقلة، تهدف أولا إلى استرجاع وتطوير الخطاب السياسي الوطني لمواجهة الأسرلة الزاحفة التي يقودها ممثلو جمهور، وذلك ببناء منبر أو منصة لتشكيل رأي عام وطني؛ وثانيًا، طرح رؤية مفصلة لكيفية بناء وانتخاب لجنة المتابعة (ولدينا مسودة كانت ثلاثة أحزاب وحركات وافقت عليها)، مع برنامج لبناء داخلي يجمع بين المطالب الحياتية، الاقتصادية والثقافية والسكنية العينية للمواطنين العرب داخل الخط الأخضر ، وبين دورنا ومصلحتنا ومصلحة شعبنا الوطنية في كل مكان.

وهذا ملقى الآن على عاتق النخب من أكاديميين ومثقفين ومربين ونشطاء، رجالا ونساءً وشبابًا، خاصة أولئك الذين انسحبوا من السياسية والفعل الوطني العام إلى مبادرات وأطر محلية، التي لا تكفي على أهميتها لإحداث التغيير.

قطار التخريب مسرع ومرعب، ولا بد من التصدي له بمبادرات جماعية شجاعة، مبدئية، وتتسم بالحكمة والتخطيط السليم.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص